قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «دُونَ الْآخِرَةِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا يُعَذِّبُهُمْ بِهِ مِنْ ذَهَابِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ» قَالَ: «فَهِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَجْرٌ وَثَوَابٌ عِنْدَ اللَّهِ، عَدَا مَصَائِبَهُمْ وَمَصَائِبَ هَؤُلَاءِ، عَجَّلَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا فِي الدُّنْيَا» ، وَقَرَأَ {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِهِ عَذَابًا دُونَ يَوْمِهِمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، فَعَذَابُ الْقَبْرِ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُ فِي الْبَرْزَخِ، وَالْجُوعُ الَّذِي أَصَابَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَالْمَصَائِبُ الَّتِي تُصِيبُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ اللَّهُ نَوْعًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَهُمْ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ دُونَ نَوْعٍ بَلْ عَمَّ فَقَالَ {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ} فَكُلُّ ذَلِكَ لَهُمْ عَذَابٌ، وَذَلِكَ لَهُمْ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَإِنَّ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ عَذَابًا مِنَ اللَّهِ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} بِأَنَّهُمْ ذَائِقُو ذَلِكَ الْعَذَابِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} يَا مُحَمَّدُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وَامْضِ لَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَبَلِّغْ رِسَالَاتِهِ {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَإِنَّكَ بِمَرْأًى مِنَّا نَرَاكَ وَنَرَى عَمَلَكَ، وَنَحْنُ نَحُوطُكَ وَنَحْفَظُكَ، فَلَا يَصِلُ إِلَيْكَ مَنْ أَرَادَكَ بِسُوءٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَوْلُهُ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِذَا قُمْتَ مِنْ نَوْمِكَ فَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ.