(الباب الثالث والعشرون في أنواع العبادة من العلم والعمل)
العبادة ضربان: علم وعمل. وحقهما أن يتلازما، لأن العلم كالأُس والعمل كالبناء، وكما لا يغني أُس ما لم يكن بناء، ولا يثبت بناء ما لم يكن أسٌّ، كذلك لا يغني علم بغير عمل ولا عمل بغير علم، ولذلك قال الله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} .
والعلم أشرفهما لكن لا يغني بغير عمل، ولشرفه قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أيما الأعمال أفضل يا رسول الله؟ فقال:"العلم"فأعاد عليه السوال فقال:"العلم"فقال الرجل في الثالثة: اسألك عن العمل لا عن العلم. فقال عليه السلام:"عمل قليل مع العلم خير من عمل كثير مع الجهل"وقال عليه السلام:"طلب العلم فريضة على كل مسلم". فالعلم ضربان: نظري وعملي، فالنظري ما إذا علم كفى ولم يحتج فيه بعده إلى عمل كمعرفة وحدانية الله تعالى ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ومعرفة السماوات وما أشبه ذلك.
والعملي ما إذا عُلم لم يغن حتى يعمل به كمعرفة الصلاة والزكاة والجهاد والصوم والحج وبرّ الوالدين. والأعمال ثلاثة أضرب: منها ما يختص بالقلب، ومنها ما يختص بالبدن، ومنها ما يشارك فيه البدن القلب.
والعلم أيضاً إذا نظر إليه وهو مكتسب فاكتسابه عمل وإذا نظر إليه وقد اكتسب وتصوّر في القلب خرج في تلك الحال عن أن يكون عملاً.