ومن باطن هذا الرزق يرزق الناسُ بعضهم بعضاً، فرزق هذا من يد هذا، والحق سبحانه وتعالى يشجع العبد على أنْ يعطي فيقول له: حينما ترزق عبدي فكأنك رزقتني، وحينما تعطيه كأنك أعطيتني.
ذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الناس واستدعاهم إلى الوجود، وتكفَّل لهم بالرزق، فيد الله ممدودة لخَلْقه بخَلْقه، لذلك سمَّى الصدقة على الفقير قرضاً، فقال:
{مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ..} [البقرة: 245] .
وفي الحديث القدسي:"يا بن آدم مرضتُ فلم تعدني، فيقول العبد: يا رب كيف أعودك وأنتَ رَبُّ العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عُدْتَه لوجدتني عنده. يا بن ادم استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: لقد استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمتَ أنك لو أطعمته لوجدتَ ذلك عندي ...".
إذن: فعل الخير يقع في يد الله قبل أنْ يقع في يد العبد، والحق سبحانه وتعالى لو أراد لأنزلَ رزقه إلى عباده مباشرة، لكن جعله من أيدي الناس لأيدي الناس ليزرع بينهم الألفة والمودة والمحبة، ويشيع بينهم التراحم وعدم الاستكبار، فالله يريد المجتمع أنْ تكاتف وأنْ يتعاون.
وقوله تعالى: {وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 57] فعطف الطعام على الرزق، لماذا؟ سبق أنْ بيَّنا أن الرزق هو كلّ ما يُنتفع به، وعلى هذا فالعلم رزق، والحلم رزق، والكرم رزق، والصحة رزق وهكذا، فالرزق هنا الرزق العام لذلك خَصَّ بعده الطعام لأنه أظهر شيء في الرزق، وبه تقوم الحياة وتستبقي. قالوا: ولم يذكر الشراب لأنه داخل في الطعام.
{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] السياق هنا يؤكد على هذه الحقيقة ليرسخها في الأذهان، ليطمئن كلٌّ منا على أن رزقه مضمون {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ..} [الذاريات: 58] فاستخدم إن ثم ضمير المنفصل هو {ذُو الْقُوَّةِ ..} [الذاريات: 58] أي: صاحب القوة. وهذا يعني أن الذات شيء، والقوة شيء منفصل عنها.
وفي موضع آخر يتكلم عن القوة والغلبة فيقول:
{كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21] فالقوة هنا في الذات، فلم يقل هنا ذو قوة. لأن المقام مقام بيان للغلبة في وجه المعاندين.
لذلك قال
{قَوِيٌّ ..}