اعلم أن الآيات الدالة على حكمة خلق الله للسماوات والأرض وأهلهما وما بينهما قد يظن غير المتأمل أن بينهما اختلافاً ، والواقع خلاف ذلك. لأن كلام الله لا يخالف بعضه بعضاً ، وإيضاح ذلك ان الله تبارك وتعالى ذكر في بعض الآيات أن حكمة خلقه للسماوات والأرض هي إعلام خلقه بأنه قادر على كل شيء ، وأنه محيط بكل شيء علماً ، وذلك في قوله تعالى في آخر الطلاق:
{الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ لتعلموا أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا} [الطلاق: 12] .
وذكر في مواضع كثيرة من كتابه أنه خلق الخلق ليبين للناس كونه هو المعبود وحده ، كقوله تعالى {وإلهكم إله وَاحِدٌ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] ، ثم أقام البرهان على أنه إله واحد بقوله بعده {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} [البقرة: 164] - إلى قوله - {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [القرة: 164] ولما قال: {يَاأَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُم} [البقرة: 21] بين أن خلقهم برهان على أنه المعبود وحده بقوله بعده {الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21] الآية.
والاستدلال على أن المعبود واحد بكونه هو الخالق كثير جداً في القرآن ، وقد أوضحنا الآيات الدالة عليه في أول سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً} [الفرقان: 2 - 3] الآية ، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] الآية ، وفي غير ذلك من المواضع.