وهذا معنى {يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً ..} [الجاثية: 8] ولذلك في القانون يقولون مع سَبْق الإصرار والترصُّد {مُسْتَكْبِراً ..} [الجاثية: 8] أي: متعالياً على الحق.
وفي الحديث الشريف"الكبر بَطر الحقِّ، وغَمْط الناس"فهو يتكبَّر لأنها تأتي له أي الآيات بواسطة من كان يعتقد أنه دونه، وبذلك اعتدى على الحق واعتدى على مُحقٍّ، كما حكى القرآن عنهم:
{وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
إذن: المشكلة عندهم ليستْ في القرآن، لأنهم أهل فصاحة وبلاغة ويعلمون إعجاز القرآن وصِدْقه لكن يحسدون الرجل الذي جاء القرآنُ على يديه، يقيسونه بمقاييس الجاه والثراء عندهم.
فالرسالة في نظرهم ينبغي أنْ تأتيَ على يد رجل غني من عظماء القوم وأهل السيادة، وهذا عجيبٌ منهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له مكانة عظيمة بينهم قبل البعثة، وكانوا يتحدثون بصدقه وأمانته، بدليل أنهم حكَّموه في أمر الحجر الأسود حينما أرادوا وضعه في مكانه واختلفوا عليه، فالتناقض في مواقفهم نحوه ظاهر، كانوا يقولون عنه ساحر وكاهن وكذاب وشاعر، فلما فَتَر عنه الوحي قالوا: إن رب محمد قلاه.
وقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الجاثية: 8] معلوم أن البشارة إخبارٌ بخير قبل أوانه، وسمَّاها بشارة لأنها تُظهر البشْر والسعادة على الوجوه ساعة تسمع خبراً يسرُّك، فاستخدام البشارة في العذاب تكون على سبيل التهكُّم والسخرية وهي لَوْنٌ من ألوان العذاب والإهانة، مثل رجل كان يحثُّ ولده على المذاكرة والجد، ولكن الولد خالف أوامر أبيه، فلما ظهرتْ النتيجة وجد ولده راسباً فقال له: أبشر لقد رسبت، يريد أنْ يتهكَّم به ويعاقبه على إهماله.
{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}
لأنه بعد أنْ أصرَّ على الإعراض عن آيات الله، وبعد أنِ استكبر عليها لا بدّ أنْ يعود في لحظة ما إلى نفسه ويُعمل عقله فيما يسمع فيصله بعض العلم عن آيات الله {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً ..} [الجاثية: 9] جعلها مجالاً للسخرية والاستهزاء {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [الجاثية: 9] وقبل ذلك بشَّره رب العزة بأن له عذاباً أليماً.