أحبَّ إليه مما سوَاهُمَا ، وأنْ يحبَّ الرجلَ لا يحبُّه إلا للهِ ، وأنْ يكرهَ أن يرجعَ إلى الكفر بعد أن أنقذه اللَّهُ منه كما يكرهُ أن يُلقَى في النارِ"."
هذه حالُ السحرةِ لمَّا سكنتِ المحبةُ قلوبَهُم سمحُوا ببذلِ النفوسِ وقالُوا
لفرعون: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ) ، ومتى تمكنتِ المحبةُ في القلبِ
لم تنبعثِ الجوارحُ إلا إلى طاعةِ الربِّ ، وهذا هو معنى الحديثِ الإلهيِّ الذي
خرَّجه البخاريُّ في"صحيحه"وفيه:
"ولا يزالُ عبدِي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ حتَّى أحبَّه ، فإذا أحببتُهُ كنتُ سمعَهُ الذي يسمعُ به وبصرَهُ الذي يبصرُ به ، ويدَهُ التي يبطشُ بها ، ورِجْلَهُ التي يمشِي بها"وقد قيل: إن في بعض الروايات:
"فبي يسمعُ وبي يبصرُ وبي يبطشُ وبي يمشي".
والمعنى: أن محبةَ اللَّه إذا استغرقَ بها القلبُ واستولتْ عليه لم تنبعثِ
الجوارحُ إلا إلى مراضِي الربِّ ، وصارتِ النفسُ حينئذ مطمئنةً بإرادةِ مولاها
عن مرادِها وهواها.
يا هذا ، اعبدِ اللَّهَ لمرادِهِ منكَ لا لمرادِكَ منه ، فمنْ عبدَهُ لمرادِهِ منه فهوَ ممن
يعبدُ اللَّهَ على حرْفٍ ، إن أصابَهُ خيرْ اطمأنَّ به ، وإن أصابتْهُ فتنة انقلبَ على
وجهه خسرَ الدنيا والآخرةَ ، ومتى قويتِ المعرفةُ والمحبةُ لم يُرِدْ صاحبها إلا ما
يريدُ مولاهُ.
وفي بعضِ الكتب السالفةِ:
من أحبَّ اللَهَ لم يكنْ شيء عندَهُ آثرُ من رضاهُ ، ومن أحب الدنيا لم يكنْ شيءٌ عندَه آثرُ من هوى نفسِهِ.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن الحسنِ قال: ما نظرتُ ببصرِي ولا نطقتُ
بلساني ، ولا بطشتُ بيدي ، ولا نهضتُ على قدمِي ، حتى أنظر على طاعةِ
اللهِ أو على معصيتِهِ ، فإنْ كانتْ طاعةً تقدمتُ ، وإن كانتْ معصيةً تأخَّرْتُ.
هذا حالُ خَواصِّ المحبينَ الصادقينَ ، فافهمُوا رحمكُمُ اللَّهُ هذا ، فإنَّه من
دقائق أسرارِ التوحيدِ الغامضةِ.