فدلَّ هذا على أنَّ كلَّ من أحبَّ شيئًا وأطاعه وكانَ غايةَ قصدِهِ
ومطلوبِهِ ، ووالى لأجله ، وعادى لأجلهِ ، فهو عبدُهُ ، وكان ذلك الشيءُ
معبودَهُ وإلهَهُ.
ويدلُّ عليه أيضًا أنَّ اللَّه تعالى سمَّى طاعةَ الشيطانِ في معصيتِهِ عبادةً
للشيطانِ ، كما قال اللَّهُ تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) ، وقال تعالى حاكِيًا عن خليلِهِ إبراهيمَ عليه السلامُ لأبيه:
(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا(44) .
فمنْ لم يتحققْ بعبوديةِ الرحمنِ وطاعتِهِ فإنَّه يعبدُ الشيطانَ بطاعتِهِ له ، ولم يخلُصْ من عبادةِ الشيطانِ إلا من أخلصَ عبوديةَ الرحمنِ ، وهم الذين قال فيهم:
(إِن عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) .
فهم الذين حقَّقُوا قول:"لا إله إلا اللَّه".
وأخلصُوا في قولِها ، وصدَّقُوا قولَهم بفعلِهِم ، فلم يلتفتوا إلى غيرِ اللَّهِ محبةً
ورجاءً وخشيةً وطاعةً وتوكُلاً ، وهم الذين صدَقُوا في قولِ:
"لا إله إلا اللَّه"وهم عبادُ اللَّه حقًا ، فأمَّا من قالَ:"لا إله إلا اللَّه"
بلسانِهِ ، ثم أطاعَ الشيطانَ وهواه في معصيةِ اللَّهِ ومخالفتِهِ فقدْ كذَّبَ فعلُه قولَهُ ، ونقصَ من كمالِ توحيدِهِ بقدرِ معصيةِ اللهِ في طاعةِ الشيطانِ والهوى
(وَمَنْ أَضَلّ مِمنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ) .
(وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) .
فيا هذا كنْ عبدًا للَّه لا عبدًا للهوى ، فإنَّ الهوى يهوِي بصاحبِهِ في النارِ:
(أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) .
تعسَ عبدُ الدرهم! تعسَ عبدُ الدينارِ! واللهِ لا ينجُو غدًا من عذابِ اللَّه
إلا من حقَّقَ عبوديةَ اللَّه وحدَهُ ، ولم يلتفتْ إلى شيءٍ من الأغيار ، من عَلِمَ