إلى آخر القصة ، حجة عليهم في بالب الوعيد لو تدبروه ، لأنه قال - في أول القصة -: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) ، ثم أخبر بمثوى كل فريق ، ومجازاته فقال: (( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ، ولم يقل: (ولم يذنبوا) ، والمؤمن إذا صلى ، وصام ، وتوضأ ، واغتسل من الجنابة فقد
عمل الصالحات ، ولا ترى مؤمنا - وإن أذنب - إلا وقد فعل كل هذا
وزيادة ، وقال - في الفرقة الأخرى -: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا)
فحق الوعيد عليهم بتعريتهم من الإيمان ، فمن أوجب الله له الفوز ،
ووعده الإدخال في رحمته فقد أمن مثوى الآخرين ، وجزاءهم ،
فإن أوجدونا في القرآن - كله - أن الله لم يوجب الرحمة ، والفوز ،
والجنة إلا لمن لم يعصه طرفة عين ، أو عصاه فمات تائبًا ، فالقول
قولهم ، وإلا فليقروا أن الخلود لا يجب على من آمن ، وعمل
الصالحات ، وليعلموا أن هذا العادل - الذين يدعون الفلسفة في
معرفة عدله - لا يضيع إيمان مؤمن ، وصالح عمله بذنب أذنبه ،
فيسوي بينه وبين الكافر ، الذي لم يؤمن طرفة عين ، ولا عمل من
صالح عمله شيئًا ، وما بال القضاء بالذنوب يُنفى عن الله - جل
وتعالى - محاماة على عدله عندهم ، ولا يُنفى عنه التسوية بين المؤمن ،
والكافر في الخلود ، وما بال إيمان الكافر - إذا آمن لحظة -
يستعلي على كفره جميع عمره ، وإحسان المؤمن - عمره - لا يستعلي
على ذنب أذنبه ؟! ومع إحسانه إيمانه . ألِأَنَّ الذنب أعظم من
الكفر ، وأوزن في الميزان منه ؟! ، إن هذا منهم إلى تجوير الله - تعالى عن
قولهم - أقرب منه إلى تعديله ، وكذا قال: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ، وكذا (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا)
والفساق - في هذه الآية - هم الكفار ، لقوله في آخر