وأما قوله:"الرحيم"، فإنه يعني أنه المتفضل عليه مع التوبة بالرحمة. ورحمته إياه، إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة جُرمه.
{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ... (38) }
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا القول في تأويل قوله:"قلنا اهبطوا منها جميعًا"فيما مضى، فلا حاجة بنا إلى إعادته، إذْ كان معناه في هذا الموضع، هو معناه في ذلك الموضع.
القول في تأويل قوله تعالى ذكره: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) }
قال أبو جعفر: وتأويل قوله:"فإما يأتينكم"، فإنْ يَأتكم. و «مَا» التي مع"إن"توكيدٌ للكلام، ولدخولها مع"إن"أدخلت النون المشددة في"يأتينَّكم"، تفرقةً بدخولها بين «مَا» التي تأتي بمعنى توكيد الكلام - التي تسميها أهل العربية صلة وَحشوًا - وبين «مَا» التي تأتي بمعنى"الذي"، فتؤذِن بدخولها في الفعل، أنّ «مَا» التي مع"إن"التي بمعنى الجزاء، توكيد، وليست «مَا» التي بمعنى"الذي".
القول في تأويل قوله تعالى ذكره: {مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) }
قال أبو جعفر: والهدى، في هذا الموضع، البيان والرشاد: -
عن أبي العالية، في قوله:"فإما يأتينكم مني هدًى"قال: الهدى، الأنبياءُ والرسل والبيان. .
فإن كان ما قال أبو العالية في ذلك كما قال، فالخطاب بقوله:"اهبطوا"، وإن كان لآدم وزوجته، فيجب أن يكون مرادًا به آدمُ وزوجتُه وذريتُهما. فيكون ذلك حينئذ نظير قوله: (فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: 11] ، بمعنى أتينا بما فينا من الخلق طائعين، ونظيرَ قوله في قراءة ابن مسعود: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرهم مناسكهم) [البقرة: 128] ، فجمع قبل أن تكون ذريةً، وهو في قراءتنا:"وأرنا مناسكنا". وكما يقول القائل لآخر:"كأنك قد تزوجت وولد لك، وكثرتم وعززتم"، ونحو ذلك من الكلام.