المطلوب الأول: قوله: {رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصالحين} ، ولقد أجابه الله تعالى حيث قال: {وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين} [البقرة: 130] وفيه مطالب: أحدها: أنه لا يجوز تفسير الحكم بالنبوة لأن النبوة كانت حاصلة فلو طلب النبوة لكانت النبوة المطلوبة ، أما عين النبوة الحاصلة أو غيرها ، والأول محال لأن تحصيل الحاصل محال ، والثاني محال لأنه يمتنع أن يكون الشخص الواحد نبياً مرتين ، بل المراد من الحكم ما هو كمال القوة النظرية ، وذلك بإدراك الحق ومن قوله {وَأَلْحِقْنِى بالصالحين} كمال القوة العملية ، وذلك بأن يكون عاملاً بالخير فإن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وإنما قدم قوله: {رَبّ هَبْ لِى حُكْماً} على قوله: {وَأَلْحِقْنِى بالصالحين} لما أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية بالشرف وبالذات ، وأيضاً فإنه يمكنه أن يعلم الحق وإن لم يعلم بالخير وعكسه غير ممكن ، ولأن العلم صفة الروح والعمل صفة البدن ، ولما كان الروح أشرف من البدن كان العلم أفضل من العمل ، وإنما فسرنا معرفة الأشياء بالحكم وذلك لأن الإنسان لا يعرف حقائق الأشياء إلا إذا استحضر في ذهنه صور الماهيات ، ثم نسب بعضها إلى بعض بالنفي أو بالإثبات ، وتلك النسبة وهي الحكم ، ثم إن كانت النسب الذهنية مطابقة للنسب الخارجية كانت النسب الذهنية ممتنعة التغير فكانت مستحكمة قوية ، فمثل هذا الإدراك يسمى حكمة حكماً ، وهو المراد من قوله عليه السلام: