أما تحقيقه بحسب المباحث الحقيقية ، فهو أن بدن الإنسان إنما يتولد عند امتزاج المني بدم الطمث ، وهما إنما يتولدان من الأغذية المتولدة من تركب العناصر الأربعة وتفاعلها ، فإذا امتزج المني بالدم فلا يزال ما فيها من الحار والبارد والرطب واليابس متفاعلاً ، وما في كل واحد منها من القوى كاسراً سورة كيفية الآخر ، فحينئذ يحصل من تفاعلهما كيفية متوسطة تستحر بالقياس إلى البارد وتستبرد بالقياس إلى الحار ، وكذا القول في الرطب واليابس ، وحينئذ يحصل الاستعداد لقبول قوى مدبرة لذلك المركب فبعضها قوى نباتية وهي التي تجذب الغذاء ، ثم تمسكه ثم تهضمه ثم تدفع الفضلة المؤذية ، ثم تقيم تلك الأجزاء بدل ما تحلل منها ، ثم تزيد في جوهر الأعضاء طولاً وعرضاً ، ثم يفضل عن تلك المواد فضلة يمكن أن يتولد عنها مثل ذلك ، ومنها قوى حيوانية بعضها مدركة كالحواس الخمس والخيال والحفظ والذكر ، وبعضها فاعلة: إما آمرة كالشهوة والغضب أو مأمورة كالقوى المركوزة في العضلات ، ومنها قوى إنسانية وهي إما مدركة أو عاملة ، والقوى المدركة هي القوى القوية على إدراك حقائق الأشياء الروحانية والجسمانية والعلوية والسفلية ، ثم إنك إذا فتشت عن كل واحدة من مركبات هذا العالم الجسماني ، ومفرداتها وجدت لها أشياء تلائمها وتكمل حالها وأشياء تنافرها وتفسد حالها ، ووجدت فيها قوى جذابة للملائم دفاعة للمنافي ، فقد ظهر أن صلاح الحال في هذه الأشياء لا يتم إلا بالخلق والهداية.