السلام أن استمروا على ضلالهم وأبوه معهم فكانوا حطب النار ، ولم يتكمن من إنقاذهم من ذلك ، ولم تكن لهم حيلة إلا دعاؤهم ، فهو أجدر بشديد الحزن وببخع نفسه عليهم وهو موضع التسلية.
ولما فهم عنهم هذه الرغبة ، أخذ يزهدهم فيها بطريق الاستفهام الذي لا أنصف منه عن أوصاف يلجئهم السؤال إلى الاعتراف بسلبها عنهم ، مع كل عاقل إذا تعقل أن لا تصح رتبة الإلهية مع فقد واحدة منها ، فكيف مع فقدها كلها؟ فقال تعالى مخبراً عنه: {قال} معبراً عنها إنصافاً بما يعبر به عن العقلاء لتنزيلهم إياها منزلتهم: {هل يسمعونكم} أي دعاءكم مجرد سماع ؛ ثم صور لهم حالهم ليمنعوا الفكر فيه ، فقال معبراً بظرف ماض وفعل مضارع تنبيهاً على استحضار جميع الزمان ليكون ذلك أبلغ في التبكيت: {إذ تدعون} أي استحضروا أحوالكم معهم من أول عبادتكم لهم وإلى الآن: هل سمعوكم وقتاً ما؟ ليكون ذلك مرجياً لكم لحصول نفع منهم في وقت ما.
ولما كان الإنسان قد يعكف على الشيء - وهو غير سامع - لكن لنفعه له في نفسه أو ضره لعدوه كالنار مثلاً ، وكان محط حال العابد والداعي بالقصد الأول بالذات جلب النفع ، قال: {أو ينفعونكم} أي على العبادة كما ينفع أقل شيء تقتنونه {أو يضرون} على الترك: {قالوا} : لا والله! ليس عندهم شيء من ذلك {بل وجدنا آباءنا كذلك} أي مثل فعلنا هذا العالي الشأن ، ثم صوروا حالة آبائهم في نفوسهم تعظيماً لأمرهم فقالوا: {يفعلون} أي فنحن نفعل كما فعلوا لأنهم حقيقون منا بأن لا نخالفهم ، مع سبقهم لنا إلى الوجود ، فهم أرصن منا عقولاً ، وأعظم تجربة ، فلولا أنهم رأوا ذلك حسناً ، ما واظبوا عليه ، هذا مع أنهم لو سلكوا طريقاً حسية حصل لهم منها ضرر حسي ما سلكوها قط ، ولكن هذا الدين يهون على الناس فيه التقليد بالباطل قديماً وحديثاً.