وذكر أبو طالب المكي في"قوته": أن في أخبار موسى عليه السلام: أنه قال: يا رب، أي الأشياء أحب إليك، وأيها أبغض؟ فقال: أحب الأشياء إليَّ الرضا بقضائي، وأبغضها إليَّ أن تطْري نفسك.
78 -ومنها: إيثار محبة الفقراء والصحبة معهم على صحبة الأغنياء لهذا الحديث المذكور.
وقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [سورة الكهف: 28] .
وروى الديلمي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يَا مَعْشَرَ الفُقَرَاءِ! إِنَّ اللهَ تَعَالَى رَضِيَ أَنْ أَتَأسَّىْ بِمُجَالَسَتِكُمْ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قال: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [سورة الكهف: 28] فَإِنهَا مَجَالِسُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلَكُمْ".
وفي الحديث: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول للفقراء بعد نزول هذه
الآية:"مَعَكُمُ الْمَحْيَا وَمَعَكُمُ المَمَاتُ".
وذكر في"الإحياء"عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى: أنه قال: حبُّك للفقراء من أخلاق المرسلين، وإيثارك مجالستَهم من أعمال الصالحين، وفرارك من محبتهم من علامات المنافقين.
وفي"الصحيحين": أن هرقل عظيم الروم لمَّا سأل أبا سفيان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. الحديث؛ وفيه قول هرقل: وهم أتباع الرسل.
وقال الله تعالى حكاية عن قوم نوح: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} [سورة هود: 27] .
وروى الإمام ابن الإمام؛ عبد الله بن أحمد بن حنبل في"زوائد الزهد"عن عبد الله بن رباح الأنصاري قال: كان داود عليه السلام ينظر أغمص مجلس من مجالس بني إسرائيل، فيجلس بين ظهرانيهم، ويقول: يا ربِّ! مسكين بين ظهراني مساكين.
وروى والده عن سعيد بن عبد العزيز قال: بلغني أنه ما من كلمة كانت تقال لعيسى بن مريم عليهما السلام أحب إليه من أن يُقال: كان
هذا المسكين.