قيل: هذا وإن كان في الظاهر أمرا فهو في الحقيقة ليس بأمر، إنما هو تهدد وتوعد، أي: ألقوا لتروا عجزكم وضعفكم، وذلك في القرآن ظاهره أمر، وهو في الحقيقة توعد؛ كقوله لإبليس: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ...) الآية، لا يخرج على الأمر، ولكن على التوعد والتهدد، أي: وإن فعلت ذلك فلا سلطان لك عليهم؛ كقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) ، وقوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) .
والثاني: أمرهم بذلك؛ ليظهر كذبهم ويتبين صدقه وحجته؛ إذ بذلك يظهر.
أو قال لهم ذلك لما كان ذلك سبب إيمان أُولَئِكَ السحرة، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ(44)
هذا يدل أن السحرة كانوا يعبدون فرعون حيث قالوا: (بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ) ، وقد علموا عجز فرعون وضعفه؛ حيث فزع إليهم وقال: (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) .
وقوله: (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ مَا يَأْفِكُونَ(45) وقد قرئ: (تَلْقَفُ) بالتخفيف.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: تقول: تلقفت الشيء والتقفته، أي: أخذته، وقال غيره: تلقف، أي: تلقم؛ وهو واحد.
وقوله: (يَأْفِكُونَ) : وهو الفاعل بمعنى المفعود، أي: مأفوك، وذلك جائز في اللغة وأمثاله كثير؛ كقوله: (فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) .
وقوله: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ(46)
أخبر لسرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا لما بانَ لهم من الحق وظهر، فقالوا: (آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(47)
قال أهدٍ التأويل: إن فرعون قال عند ذلك: أنا رب العالمين، فقالت السحرة: (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ(48)