أما الآية التي بينت استثناء أمة واحدة من هذه الأمم فهي قوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا} [يونس: 98] الآية. وظاهر آية الصافات أنهم آمنوا إيماناً حقاً ، وأن الله عاملهم به معاملة المؤمنين ، وذلك في قوله في يونس {وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ} [الصافات: 147 - 148] لأن ظاهر إطلاق قوله: فآمنوا ، يدل على ذلك. والعلم عند الله تعالى. ومن الأمم التي نص على أنه أهلكها وجعلها أحاديث سبأ ، لأنه تعالى قال فيهم: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} [سبأ: 19] الآية وقوله {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي أخباراً وقصصاً يسمر بها ، ويتعجب منها ، كما قال ابن دريد في مقصورته:
وإنما المرء حديث بعده... فكن حديثاً حسناً لمن وعى
وقرأ هذا الحرف ابن كثير ، وأبو عمرو: تترا بالتنوين ، وهي لغة كنانة ، والباقون بألف التأنيث المقصورة من غير تنوين: وهي لغة أكثر العرب ، وسهل ونافع وابن كثير وأبو عمر والهمزة الثانية من قوله: جاء أمة ، وقرأها الباقون بالتحقيق ، كما هو معلوم وقوله {فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} مصدر لا يظهر عامله ، وقد بعد بعداً بفتحتين ، وبعداً بضم فسكون: أي هلك فقوله: بعدا: أي هلاكا مستأصلاً ، كما قال تعالى {أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 95] قال الشاعر:
قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفا... قول الأحبة لا تبعد وقد بعدا
وقد قال سيبويه: إن بعداً وسحقاً ودفراً أي نتنا من المصادر المنصوبة بأفعال لا تظهر.
اه ومن هذا القبيل قولهم: سقيا ورعيا ، كقول نابغة ذبيان:
نبئت نعما على الهجران عاتية... سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري