فإن قدر على تفضيل الملائكة على البشر، قدر على تفضيل بعض البشر على بعض، ثم أخبر عن نوح أنه لا يريد بما ادعى من الرسالة التفضل عليهم؛ ولكن يريد النصح لهم والإشفاق عليهم؛ حيث قال: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ) ،
وقال: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ، (عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) ، ونحو ما قال؛ أخبر أنه إنما أراد النصح والشفقة لا التفضل الذي قالوا هم.
وقوله: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) .
هذا قولهم، وقد كذبوا في قولهم.
وقوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ(25)
قد عرفوا أن ليس به جنون؛ ولكن أرادوا التلبيس والتمويه على قومهم؛ حيث خالفهم في جميع أمورهم، وعادى الرؤساء منهم والقادة، ويقولون: ما يفعل هذا إلا لجنون فيه وآفة أصابته في عقله، وإلا: عرفوا هم في أنفسهم - أعني: القادة - أنه ليس بمجنون؛ ولكن أرادوا التمويه على قومهم، ثم قالوا: (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) .
لسنا ندري ما أرادوا بالحين: أرادوا الموت؟ أو وقت ارتفاع ما قالوا فيه من الجنون؟ أو أرادوا وقتا آخر.
قال مقاتل: يريد أن يتفضل عليهم بالرسالة، وليس له عليكم فضل في شيء فننبعونه.
وقوله: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: بالعذاب في آبائنا الأولين.
ويقال: ما سمعنا التوحيد في آبائنا الأولين، كما يدعو نوح.
وقوله: (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ(26)
لم يدع عليهم بأول ما كذبوه؛ ولكن إنما دعا عليهم بعد ما أيس من عودهم إلى تصديقه، وهو ما قال: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) .
وقال أهل التأويل: (انْصُرْنِي) : بتحقيق ما وعدت لهم من العذاب؛ فإنه نازل بهم في الدنيا وعذابهم (بِمَا كَذَّبُونِ) : في قولي بأن العذاب نازل بهم في الدنيا.