ومثال المقارن الحاصل اتفاقاً {ولما جاءت رسلُنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا...} [العنكبوت: 31] وقوله: {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه} [يوسف: 69] فمن ظن أن لما تؤذن بالسببية اغتراراً بقولهم وجود لوجود حملاً لِلاَّم فِي عبارتهم على التعليل فقد ارتكب شططاً ولم يجد من كلام الأئمة فرطاً.
و (أضاء) يجيء متعدياً وهو الأصل لأن مجرده ضَاء فتكون حينئذٍ همزته للتعدية كقول أبي الطمحان القيني:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم...
دُجى الليل حتى ثقب الجزع ثاقبه
ويجئ قاصراً بمعنى ضاء فهمزته للصيرورة أي صار ذا ضوء فيساوي ضاء كقول امرئ القيس يصف البرق:
يُضِئ سنَاه أو مصابيح راهب...
أمال السليط بالذبال المفتل
والآية تحتملهما أي فلما أضاءت النار الجهات التي حوله وهو معنى ارتفاع شعاعها وسطوع لهبها ، فيكون ما حوله موصولاً مفعولاً لأضاءت وهو المتبادر ، وتحتمل أن تكون من أضاء القاصر أي أضاءت النار أي اشتعلت وكثر ضوءها فِي نفسها ، ويكون ما حوله على هذا ظرفاً للنار أي حصل ضوء النار حولها غير بعيد عنها.
و {حوله} ظرف للمكان القريب ولا يلزم أن يراد به الإحاطة فحوله هنا بمعنى لديه ومن توهم أن {ما حوله} يقتضي ذلك وقع فِي مشكلات لم يجد منها مخلصاً إلا بعناء.
وجمع الضمير فِي قوله: {بنورهم} مع كونه بلصق الضمير المفرد فِي قوله: {ما حوله} مراعاة للحال المشبهة وهي حال المنافقين لا للحال المشبه بها ؛ وهي حال المستوقد الواحد على وجه بديع فِي الرجوع إلى الغرض الأصلي وهو انطماس نور الإيمان منهم ، فهو عائد إلى المنافقين لا إلى (الذي) ، قريباً من رد العجز على الصدر فأشبه تجريد الاستعارة المفردة وهو من التفنين كقول طرفة:
وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن...
مظاهرُ سِمطَيْ لؤلؤ وزبرجد