فصل
قال الفخر:
فأما تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة فهو فِي كتاب الله تعالى كثير، والوجه فيه أن النور قد بلغ النهاية فِي كونه هادياً إلى المحجة وإلى طريق المنفعة وإزالة الحيرة وهذا حال الإيمان فِي باب الدين، فشبه ما هو النهاية فِي إزالة الحيرة ووجدان المنفعة فِي باب الدين بما هو الغاية فِي باب الدنيا، وكذلك القول فِي تشبيه الكفر بالظلمة، لأن الضال عن الطريق المحتاج إلى سلوكه لا يرد عليه من أسباب الحرمان والتحير أعظم من الظلمة، ولا شيء كذلك فِي باب الدين أعظم من الكفر، فشبه تعالى أحدهما بالآخر، فهذا هو الكلام فيما هو المقصود الكلي من هذه الآية، بقيت ههنا أسئلة وأجوبة تتعلق بالتعلق بالتفاصيل: السؤال الأول: قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً} يقتضى تشبيه مثلهم بمثل المستوقد، فما مثل المنافقين ومثل المستوقد حتى شبه أحدهما بالآخر؟ والجواب: استعير المثل للقصة أو للصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل قصتهم العجيبة كقصة الذي استوقد ناراً، وكذا قوله: {مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون} [الرعد: 35] أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة {وَلِلَّهِ المثل الأعلى} [النحل: 60] أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة {مَثَلُهُمْ فِى التوراة} [الفتح: 29] أي وصفهم وشأنهم المتعجب منه ولما فِي المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثله فِي الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن.