يقول بعض المتكلمين: إن هذا شتم من اللَّه لهم، جوابًا على المؤمنين، ويستجيزون ذلك على الجواب، وإن لم يجز على الابتداءِ، كالمكر، والكيد، والاستهزاءِ، والخداع ونحوه، فعلى ذلك هذا.
وأما عندنا فهو غير جائِز؛ لأَن من يشتم آخر يذم عليه، وهو عمل السفهاء. فأَخبر عز وجل: أَنهم هم الذين يعملون بالجهل على علمهم أَن دينهم الذي يدينون به باطل، وأَن الدِّين الذي يدين به المؤمنون حق.
وقوله: (وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) .
قيل فيه بوجهين:
أحدهما: لا يعلمون أنهم هم السفهاء.
والثاني: لا يعلمون ما يحل بهم من العذاب لذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا(14)
يعني: أصحاب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - .
وقوله: (قَالُوا آمَنَّا) .
أظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويضمرون لهم الخلاف في السر.
وقوله: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) .
قيل فيه بأَوجه:
قيل: إن شياطينهم؛ يعني الكهنة؛ سموا بذلك لبعدهم عن الحق.
يقال: شَطَن، أَي: بَعُدَ.
وقيل: إن كل عاتٍ ومتمرد يسمى شيطانًا لعتوه وتمرده؛ كقوله: (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) سموا بذلك لعتوهم وتمردهم؛ إذ من قولهم: إن الشياطين أَصْلهم من الجن.
وقيل: سموا شياطين؛ لأَنه كان مع كل كاهن شيطان يعمل بأَمره، فسموا بأَسمائِهم؛ وذلك جائِز في اللغة جالي، واللَّه أَعلم.
وقوله: (قَالُوَا إِنَّا مَعَكُم) .
قيل: فيه وجهان:
الأَول: أَي: معكم في القصد والمعونة.
والثاني: إنا معكم، أي: على دينكم لا على دين أُولَئِكَ، واللَّه أَعلم.
قوله: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) .
بإظهار الموافقة لهم في العلانية، وإظهار الخلاف لهم في السر.
وقوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ(15)
قيل فيه بوجوه:
قيل: يجزيهم جزاء الاستهزاءِ.