[وعنه] (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) قال: إذا خلوا إلى شياطينهم من يهودَ، الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول (قالوا إنا معكم) ، أي إنا على مثل ما أنتم عليه (إنما نحن مستهزئون) .
عن ابن مسعود: أما شياطينهم، فهم رءوسهم في الكُفر.
عن قتادة: رؤسائهم في الشرّ.
عن مجاهد: (وإذا خلوا إلى شياطينهم) ، قال: أصحابِهم من المنافقين والمشركين.
قال ابن جريج في قوله: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) ، قال: إذا أصاب المؤمنين رخاءٌ قالوا: إنا نحن معكم، إنما نحن إخوانكم، وإذا خلوا إلى شياطينهم استهزءوا بالمؤمنين.
فإن قال لنا قائل: أرأيتَ قولَه (وإذا خلوا إلى شياطينهم) ؟ فكيف قيل: (خلوا إلى شياطينهم) ، ولم يقل خَلَوْا بشياطينهم؟ فقد علمتَ أنّ الجاريَ بين الناس في كلامهم:"خلوتُ بفلان"أكثر وأفشَى من:"خلوتُ إلى فلان"؛ ومن قولك: إن القرآن أفصح البيان!
قيل: قد اختلف في ذلك أهل العلم بلغة العرب. فكان بعض نحويِّي البصرة يقول: يقال"خلوتُ إلى فلان"إذا أريدَ به: خلوتُ إليه في حاجة خاصة. لا يحتَمِل - إذا قيل كذلك - إلا الخلاءَ إليه في قضاء الحاجة. فأما إذا قيل:"خلوت به"احتمل معنيين: أحدهما الخلاء به في الحاجة، والآخَر في السخرية به. فعلى هذا القول، (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) ، لا شكّ أفصحُ منه لو قيل"وإذا خلوا بشياطينهم"، لما في قول القائل:"إذا خلوا بشياطينهم"من التباس المعنى على سامعيه، الذي هو مُنتفٍ عن قوله:"وإذا خلوا إلى شياطينهم". فهذا أحد الأقوال.
والقول الآخر: فأن تُوَجِّه معنى قوله (وإذا خلوا إلى شياطينهم) ،"وإذا خلوا مع شياطينهم"، إذ كانت حروف الصِّفات يُعاقِبُ بعضُها بعضًا، كما قال الله مخبرًا عن عيسى ابن مريم أنه قال للحواريين: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) [الصف: 14] ، يريد: مع الله. وكما توضع"على"في موضع"من"، و"في"و"عن"و"الباء"، كما قال الشاعر:
إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
بمعنى عَنِّي.