قوله: (ولم يعطف قصتهم) جواب سؤال بأنهم لما كانوا أضدادًا للعباد الخلص
ناسب العطف فلم اخْتيرَ الفصل فأجاب بأن بَيْنَهُمَا كمال الانقطاع لتباينهما في الغرض وإن
كان بَيْنَهُمَا جامع لكن لا يلتفت إليه ذكر السكاكي في الفصل والوصل فيما ترك عطفه
للانقطاع وإن كان بَيْنَهُمَا جامع غير ملتفت إليه لبعد المقام عنه فقال من هذا القبيل قطع إن
الَّذينَ كَفَرُوا ليكون هنا قبله حديثًا عن الْقُرْآن وأن من شأنه كيت وكيت وهذا حديث عن
الْكُفَّار وتصممهم في كفرهم وفي قوله ولم يعطف قصتهم (عَلَى قصة الْمُؤْمنينَ) تنبيه عَلَى
أن عطف القصة وهي عطف جمل متعددة عَلَى جعل متعددة إنما يحسن إذا تحققت
المناسبة بين القصتين في الغرض المسوق له سواء كان بين المسند إليه والمسند جهة جامعة
[أو لا] ، وأما إذا تباينتا في الغرض فلا يصح العطف وإن تناسب الطرفان كما فيما نحن فيه.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: لم يعطف قصتهم عَلَى قصة الْمُؤْمنينَ الخ. قال صاحب الكَشَّاف فإن قلت: لم قطعت
قصة الْكُفَّار من قصة الْمُؤْمنينَ ولم تعطف كنحو قوله: (إنَّ الْأَبْرَارَ لَفي نَعيمٍ(13) وَإنَّ الْفُجَّارَ لَفي
جَحيمٍ (14) ، وغيره من الآي الكثيرة قلت ليس وزان هاتين القصتين وزان ما
ذكرت لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الْكتَاب وأنه هُدًى للْمُتَّقينَ وسيقت الثانية لأن الْكُفَّار
من صفتهم كيت وكيت فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب وهما عَلَى حد لا مجال فيه
للعاطف تم كلامه أما تباينهما في الفرض فلما ذكر من أن الأولى مسوقة لذكر الْكتَاب وأن من شأنه
كونه هاديًا كما مَرَّ في بابه بالغا في إيصال المهتدين به إلَى أقصى مباغيهم ومنتهى طلبتهم والثانية
موردة لذم الْكُفَّار وأن إنذارهم بالْكتَاب لا ينجع فيه، وأما تباينهم في الأسلوب فلأن الثانية مصدرة
بحرف التوكيد التي يتلقى بها السائل والمنكر عارية عن الْوُجُوه المستدعية للعطف بجلال قوله عز
وجل (إنَّ الْأَبْرَارَ لَفي نَعيمٍ(13) وَإنَّ الْفُجَّارَ لَفي جَحيمٍ (14) ، فإن بين الجملتين هنا
ما يقتضي العطف من صنعة التقابل والترصيع فإن الوهم ينزل التقابل بمنزلة التضايف في أنه لا
[يحضر] أحدهما إلا ويحضر الآخر عنده والعطف بين الجملتين جائز بشرط رعاية التناسب وبين
المفردين بشرط اتحاد التصورات، ولما كانت الْجُمْلَة الأولى مسوقة لبيان حسن حال الأبرار والثانية
على خلافه وكانت بين المفردين من مفرداتهما مقابلة في التصور عطف الثانية عَلَى الأولى فجملة:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية. واردة عَلَى سبيل الاستطراد بعد ذكر أصل المقصود. نعم هَاهُنَا
جامع يصح العطف له في الْجُمْلَة من حيث إنهما مسوقتان لبيان أن الْكتَاب هدى لطائفة وليس
هدى لأضدادهم لكن هذا القدر من الجامع غير ملتفت إليه عند البلغاء بالنظر إلَى أصل الْمَعْنَى
الْمُرَاد فإن الْمُرَاد من الأولى بيان حال الْكتَاب من البلوغ في الْكَمَال إلَى الغاية ومن الثانية بيان
إصرار الْكَافرينَ وإن وجود الْكتَاب وعده سَوَاءٌ عَلَيْهمْ في عدم انتفاعهم به فيكون الْكتَاب بحَيْثُ لا
يجد بهم نفعًا مفهوم من الثانية تبعًا لا قصد فلا يحسن العطف بما يستفاد من الْكَلَام تبعًا كما قال
صاحب المفتاح هذا كما تكون في حديث ويقع في خاطرك بغتة حديثًا آخر بَيْنَهُمَا جامع لكن غير
ملتفت إليه لبعد مقامك عنه ويدعوك إلَى ذكره داعٍ فتورده مفصولًا عَلَى أن الغرض من وصف
الْكتَاب تفخيم شأنه وذلك إنما هُوَ في الانتفاع به دون عدم الانتفاع قال صاحب الكشف فالغرض
من الأولى شد أعضاء التحدي وتقرير ما سيق له الْكَلَام أولًا من أنه الكامل والغرض من الثانية أن
ينعي عَلَى الْكُفَّار إصرارهم وما هم فيه من التصامم والتعامي عن آيات الآفات والأنفس استطرادًا