وفرقة قالت بمقتضى القسم الثاني وهم القدرية: زعموا: أن العباد موجدون لأفعالهم استقلالا، وأن الله لا تعلق له بها بخلق ولا إرادة.
وفرقة توسطت الطرفين المنحرفين، وقالت بمقتضى القسمين. فنسبوا الأفعال إلى الله إرادة وخلقا، وإلى العباد اجتراحا وكسبا، وفسروا الكسب بأنه أثر القدرة القديمة في محل القدرة الحادثة، وساعدهم على ذلك ظواهر نصوص الكتاب والسنة من الطرفين.
وورد على كل واحدة من الفرقتين الأوليين ما قالت به الأخرى.
فاحتاجت إلى تأويله، والتعسف في تبطيله، فلزم الجبرية التجوير، والقدرية تعجيز القدير، والإشراك معه في آثار المقادير. ولهذا سموا مجوس الأمة، تشبها بالمجوس القائلين بخالقَين.
إذا عرفت هذا فنقول: إنا إذا اشتققنا اسم فاعل من فعل أو صفة نحو شرير وظالم وضارب وقاتل، فتارة يراد به موجد ذلك الفعل وخالقه وعلة وجوده، وتارة يراد به كاسبه وسببه. فقولك:"لو كان الله مريدا للشر، والظلم لكان شريرا ظالما"إن عنيت بالشرير والظالم كاسب الشر، ومسببه فلا نسلم، إنما ذاك الآدمي.
وإن عنيت خالقه فهو صحيح، لكن يكون في إطلاق الشرير عليه إساءة أدب. إذ لم ترد الشرائع بإطلاق مثل هذا عليه.
والأشهر عندنا: أن أسماء الله توقيفية لا قياسية وبهذا التفصيل يندفع ما ذكرته من المحال والتشنيع.
وأما قولك:"كل من أمر بشيء فهو مريد له"فممنوع. فإن هذا محل وهم، ومزلة قدم وذاك لأن الإرادة تستعمل تارة بمعنى الطلب، وتارة بمعنى رجوح وجود الممكن في نفس المرجح.
فالأول ترجيح طلبي بمعنى الأمر، والثاني ترجيح وجودي، وهو موضوع الإرادة في الأصل.
وأحد الأمرين يشتبه بالآخر، لأن الأول أثر الثاني، فإنه إنما يصدر الطلب غالبا بعد رجحان الوجود في النفس، وحينئذ نقول: ما تعني بقولك"كل من أمر بشيء فهو مريد له؟"
الإرادة الطلبية أو الوجود به، الأول مسلم. لكن هذا يصير كقولك"كل من أمر بشيء فهو أمر به"لأن الإنسان قد يقول لصاحبه أو لعبده: أطلب منك، أو آمرك أن تفعل كذا. وأريد منك أن تفعل كذا بمعنى.
والثاني ممنوع، فلا يصلح قولك: كل من أمر بشيء فهو مريد له، أي مرجح لوجوده.
وقد ضرب الأصوليون لهذا مثلاً، وهو: من أمر عبده بما لا يريده منه تمهيدا لعذره عند من لامه على ضربه. فإن هذا جائز عقلاً.
وفيه حكمة مقصودة، فجاز أن يكون للّه سبحانه في الأمر بالشيء ، وعدم إرادته حكمة، وإن لم ندركها.