وثالثها: أنه قال: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، وقد علم موسى أن شقاء الخلق وإخراجهم من الجنة لم يكن من جهة آدم، بل الله أخرجه منها، ورابعها: أن آدم عليه السلام احتج بما ليس بحجة إذ لو كان حجة لكان لفرعون وهامان وسائر الكفار أن يحتجوا بها، ولما بطل ذلك علمنا فساد هذه الحجة.
وخامسها: أن الرسول عليه السلام صوب آدم فِي ذلك مع أنا بينا أنه ليس بصواب.
إذا ثبت هذا وجب حمل الحديث على أحد ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه عليه السلام حكى ذلك عن اليهود لا أنه حكاه عن الله تعالى أو عن نفسه، والرسول عليه السلام كان قد ذكر هذه الحكاية إلا أن الراوي حين دخل ما سمع إلا هذا الكلام، فظن أنه عليه السلام ذكره عن نفسه لا عن اليهود.
وثانيها: أنه قال: فحج آدم منصوباً أي أن موسى عليه السلام غلبه وجعله محجوباً وأن الذي أتى به آدم ليس بحجة ولا بعذر.
وثالثها: وهو المعتمد أنه ليس المراد من المناظرة الذم على المعصية، ولا الاعتذار منه بعلم الله بل موسى عليه السلام سأله عن السبب الذي حمله على تلك الزلة حتى خرج بسببها من الجنة، فقال آدم: إن خروجي من الجنة لم يكن بسبب تلك الزلة، بل بسبب أن الله تعالى كان قد كتب عليّ أن أخرج من الجنة إلى الأرض وأكون خليفة فيها، وهذا المعنى كان مكتوباً فِي التوراة، فلا جرم كانت حجة آدم قوية وصار موسى عليه السلام فِي ذلك كالمغلوب واعلم أن الكلام فِي هذه المسألة طويل جداً والقرآن مملوء منه وسنستقصي القول فيها فِي هذا التفسير إن قدر الله تعالى ذلك؛ وفيما ذكرنا ههنا كفاية. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 39 - 45}