ووجه ذلك ما ذكره بقوله:"شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه"فكما
أن حال الراكب هي تمكنه من المركوب ، واستقراره عليه ، كذلك حال أولئك مع
الهدى ، فاستعير للمشبه كلمة"على"المستعملة للمشبه به ، فليس معنى"على"
هاهنا الاستعلاء ، بل حالهم يشابه الاستعلاء.
وإنما قال:"معنى الاستعلاء"، لأنه من الاستعارة التبعية ، فلا بد من تقدير
الاستعارة فِي معنى الاستعلاء ، ليسري إلى الحرف.
وقال الشريف: يريد أن كلمة"على"هذه استعارة تبعية ، شبه تمسك المتقين
بالهدى باستعلاء الراكب على مركوبه فِي التمكن والاستقرار ، فاستعير له الحرف
الموضوع للاستعلاء ، كما شبه استعلاء المصلوب على الجذع باستقرار المظروف
في الظرف بجامع الثبات ، فاستعير له الحرف الموضوع للظرفية.
وإنما قال:"معنى الاستعلاء"دون معنى"على"، لأن الاستعارة فِي الحرف تقع
أولاً فِي متعلق معناه كالاستعلاء والظرفية والابتداء مثلا ، ثم تسري إليه بتبعية .
وقوله:"تمثيل"أي تصوير فإن المقصود من الاستعارة تصوير المشبه
بصورة المشبه به إبرازا لوجه الشبه فيه بصورته فِي المشبه به ، فإذا قلت: رأيت
أسدا يرمي فقد صورته في
شجاعته بصورة الأسد وجراءته.
ومن الناس من زعم أن الاستعارة فِي"على"تبعية تمثيلية.
قال: أما كونها تبعية فلجريانها أولا فِي متعلق معنى الحرف ، وتبعيتها في
الحرف.
وأما كونها تمثيلية فلكون كل من طرفي التشبيه حالة منتزعة من عدة أمور.
فورد عليه أن انتزاع كل من طرفيه من أمور عدة يستلزم تركبه من معان متعدة ،
ومن البيّن أن متعلق معنى كلمة"على"وهو الاستعلاء معنى مفرد ، كالضرب
ونظائره ، فلا يكون مشبها به فِي تشبيه تزكب طرفاه ، وإن ضم إليه معنى آخر ،
وجعل المجموع مشبها به لم يكن معنى الاستعلاء مشبها به فِي هذا التشبيه ،
فكيف يسري التشبيه والاستعارة منه إلى معنى الحرف ؟