قوله تعالى: {قليلاً} : القلة هنا تتناول الزمان، وتتناول عين الممتَّع به؛ فالزمن قصير: مهما طال بالإنسان العمر فهو قليل؛ قال الله عزّ وجلّ: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} [الأحقاف: 35] ؛ كذلك عين الممتع به قليل؛ كل ما يحصل للإنسان من هذه الدنيا من اللذة، والمتاع قليل بالنسبة للآخرة، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لموضع سوطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها» ؛ ومع قلته فهو مشوب بكدر سابق، ولاحق، كما قال الشاعر:
(فيوم علينا ويوم لنا ويوم نُساء ويوم نُسَرُّ) ويقول الآخر:
(لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم)
وإذا شئت أن تعرف حقيقة الأمر فقس ما بقي من حياتك بما مضى؛ الآن كلنا يعرف أننا خلفنا أياماً كثيرة؛ فما خلفنا بالأمس كأنه لا شيء؛ نحن الآن في الوقت الذي نحن فيه؛ وأما ما مضى فكأنه لم يكن؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم واصفاً الدنيا: «إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها» : إنسان اطمأن قليلاً تحت ظل شجرة، ثم ارتحل! هذه الدنيا كلها -
قوله تعالى: {ثم أضطره إلى عذاب النار} أي ألجئه إلى عذاب النار؛ وإنما جعل الله ذلك إلجاءً؛ لأن كل إنسان يفر من عذاب النار؛ لكنه لا بد له منه إن كان من أهل النار؛ لأنه هو الذي فعل الأسباب التي توجبه؛ و «العذاب» العقوبة التي يتألم بها المرء؛ و {النار} اسم معروف -
قوله تعالى: {وبئس المصير} ؛ {بئس} فعل ماضٍ جامد إنشائي يراد به الذم؛ و {المصير} فاعل {بئس} ؛ والمخصوص بالذم محذوف تقديره: هي؛ أي: وبئس المصير هي؛ لأنه لو لم تقدر هذا لم تكن الجملة عائدة على ما سبق؛ و {المصير} بمعنى مكان الصيرورة؛ أي المرجع الذي يصير إليه الإنسان -
الفوائد:
1 ــــ من فوائد الآية: التنويه بفضل إبراهيم؛ لأن قوله تعالى: {وإذ قال} سبق أنها على تقدير: واذكر إذ قال؛ ولولا أن هذا أمر يستحق التنويه، والإعلام ما أمر به -
2 ــــ ومنها: أنه لا غنى للإنسان عن دعاء الله مهما كانت مرتبته؛ فلا أحد يستغني عن الدعاء أبداً؛ لقوله تعالى: {رب اجعل -} إلخ -