وإنما ذكرنا هذه التأويلات في هذه الآية، لأن هذه المعاني التي ذكرناها قد ظهرت منهم بمتلو القرآن، والتأويلات التي ذكرها أهل التفسير لا يتهيأ تثبيتها من جهة الكتاب ولا من جهة الإخبار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ؛ فصارت هذه التأويلات أمكن وأملك بالآية من غيرها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ(53) :
إن الذي حملهم على الطلب بأن يؤتى كل منهم صحفا منشرة إعراضهم عن الإيمان بالآخرة؛ وإلا لو آمنوا بها، لكان إيمانهم بها يحملهم على ترك العناد والتعنت، وعلى ترك الجسر على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويدعوهم إلى الإذعان للحق.
وقوله: (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) سنذكر معنى هذه الآية في سورة"عبس وتولى"، وسنذكر معنى قوله: (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) في سورة"إذا الشمس كورت".
وقوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56) :
فأهل التأويل صرفوا قوله (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى) إلى اللَّه تعالى.
وجائز أن يصرف إلى البشر.
فإن كان المراد من قوله - عَزَّ وَجَلَّ - (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى) : البشر؛ فيكون معنى قوله: (هُوَ أَهْلُ التقوَى) ، أي: الذي يقوم بالذكر؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) ، فجعل الذين ألزمهم كلمة التقوى من أهل التقوى، وإن كان المراد من قوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى) ، أي: اللَّه - سبحانه وتعالى - فتأويله أنه أهل أن يتقي الزلة والعثرة في حقوقه تعالى.
والوجه فيه أن المرء في الشاهد إنما يتقي الزلة والعثرة إلى آخر؛ لإحدى خصال ثلاث:
إحداها: لما يرى من افتقاره وحاجته إليه؛ فيتقي العثرة إليه؛ تبجيلا وتعظيما.