أحدها: أن يكون كل واحد من عظمائهم ود أن يكون هو المخصوص بإنزال الكتاب عليه؛ كما قال في آية أخرى: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ) ؛ فيكون في هذا إظهار استكبارهم على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، على جهة التعنت والعناد؛ ليصير ذلك آية لهم في تحقيق رسالة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، كما قال اللَّه تعالى حكاية عنهم: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا...) إلى قوله: (أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ) ، ففي هذه الآية إبانة أنهم كانوا يطلبون إنزال الكتاب عليهم؛ ليتقرر لديهم رسالة نبينا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، وكان ذلك على جهة التعنت والعناد؛ وإلا لو تفكروا في حاله أداهم ذلك إلى العلم برسالته من غير أن يحتاجوا إلى تثبيت رسالته بكتاب ينزل عليهم، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكونوا رأوا أكابرهم أحق بالرسالة من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، وأولى بإنزال الكتاب عليهم؛ لما رأوهم أفضل من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، ألا ترى إلى قوله: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) ، وقال في آية أخرى: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا) ، فأرادوا أن يؤتوا صحفا منشرة لهذا المعنى؛ إذ هم أولى أن يخصوا بهذه الفضيلة.