النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخرجُ إليهم، فيدعُوهم إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، وقد كانتِ الشهبُ يُرمَى بها في الجاهلية، وإنَّما كثرتْ عندما بعث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - .
وقد قالَ السُّديُّ وغيرُه: إنَّ السماءَ لم تحرسْ إلا حيث كان في الأرضِ نبيٌّ
أو دينٌ للَّه ظاهر.
والمقصودُ من هذا الحديثِ هاهنا: أن الشياطينَ لما مروا بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلِّي بأصحابه صلاةَ الصبح، وقفُوا واستمعُوا القرآنَ. وهذا يدلُّ على أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يجهرُ بالقراءةِ في صلاةِ الصبح، فلمَّا سمعُوا عرفوا أنَه هو الذي حال بينهم وبين خبرِ السماءِ.
وظاهرُ هذا السياقِ: يقتضي أن الشياطينَ آمنُوا بالقرآنِ، وكذا قالَ السُّديُّ
وغيرُه.
وقد اختُلِفُ في الجنِّ والشياطينِ: هل هم جنسٌ واحدٌ، أو لا؟
فقالت طائفةٌ: الجن كلُّهم ولدُ إبليسَ، كما أن الإنسَ كلَّهم ولدُ آدمَ.
رُوي هذا عن ابن عباس من وجهٍ فيه نظرٌ. وأنّهم لا يدخلون الجنةَ.
ورُوي - أيضًا - عن الحسنِ، وأنَّه قالَ: مؤمنُهم وفيٌ للَّه وله الثوابُ
ومشركُهُم شيطانٌ له العقابُ.
وقالت طائفة: بلِ الشياطينُ ولدُ إبليسَ، وهم كفار ولا يموتون إلا معَ
إبليسَ، والجنُّ ولد الجانِّ، وليسوا شياطينَ، وهم يموتون، وفيهم المؤمنُ
والكافرُ.
رُوي هذا عن ابن عباسٍ بإسنادٍ فيه نظرٌ - أيضًا.
وقولُه:"وإنَّما أوحي إليه قولُ الجنّ"يشيرُ ابنُ عباس إلى أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يرَ الجنَّ، ولا قرأ عليهم وإنما أُوحي إليه استماعُهم القرآنَ منه وإيمانهم به.
وقد رُويَ ذلك صريحًا عنه، أنه قال في أولِ هذا الحديثِ: ما قرأ
رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على الجنِّ ولا رآهم - ثم ذكر هذا الحديث.
قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)