قال الحسن: بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن ولم يبعث الله تعالى قط رسولاً من الجن ولا من أهل البادية ولا من النساء، وذلك لقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى} (يوسف: 109)
وفي الصحيح: «وبُعثت إلى الأحمر والأسود» أي الإنس والجنّ، وفي إرساله إلى الملائكة خلاف قدّمنا الكلام عليه.
{وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ}
أي: العريقون في صفة الجور عن الصواب من الإنس والجن، فأولئك أهملوا أنفسهم فلم يتحرّوا لها فضلوا فأبعدوا عن الطريق القويم فوقعوا في المهالك التي لا منجى منها.
{فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ} أي: النار البعيدة القعر التي تلقاهم بالتجهم والكراهة والعبوسة {حَطَباً} أي: توقد بهم النار فهي في اتقاد ما داموا أحياء، ما دامت تتقدّ لا يموتون فيستريحون ولا يحيون فينتعشون.
(تنبيه)
قوله تعالى: {فَكَانُواْ} ، أي: في علم الله عز وجلّ.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم ذكروا عقاب القاسطين ولم يذكروا ثواب المسلمين؟
أجيب: بأنهم في مقام الترهيب فذكروا ما يحذر وطووا ما يحب للعلم به لأنّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً بل لا بد أن يزيد عليه تسعة أضعافه وعنده المزيد أو أنهم ذكروه بقولهم {تَحَرَّوْاْ رَشَداً} أي: تحرّوا رشداً عظيماً لا يعلم كنهه إلا الله تعالى، ومثل هذا لا يتحقق إلا في الثواب.
«فَإِنْ قِيلَ» : إنّ الجنّ مخلوقون من النار فكيف يكونون حطباً للنار؟
أجيب: بأنهم وإن خلقوا منها لكنهم يغيرون عن تلك الكيفية فيصيرون لحماً ودماً هكذا قيل وهذا آخر كلام الجن.
قوله تعالى: {وَأن الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}
أي: مختصة بالملك الأعظم والمساجد قيل جمع مسجد بالكسر وهو موضع السجود، وقال الحسن: أراد بها كل البقاع لأنّ الأرض جعلت كلها مسجداً للنبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «أينما كنتم فصلوا وأينما صليتم فهو مسجد» .