وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ مَنْ آمَنَ فَأَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ الْإِنْعَامُ أَيْضًا ابْتِلَاءً وَاخْتِبَارًا حَتَّى يَظْهَرَ أَنَّهُ هَلْ يَشْتَغِلُ بِالشُّكْرِ أَمْ لَا، وَهَلْ يُنْفِقُهُ فِي طَلَبِ مَرَاضِي اللَّهِ أَوْ فِي مَرَاضِي الشَّهْوَةِ وَالشَّيْطَانِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إلى الإنس، فالوجهان عائدان فيه بعينه وهاهنا يكون إِجْرَاءُ قَوْلِهِ: (لَأَسْقَيْناهُمْ مَاءً غَدَقًا) عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْلَى لِأَنَّ انْتِفَاعَ الْإِنْسِ بِذَلِكَ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ.
(وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)
قَالَ الْحَسَنُ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْمَسْجِدَ أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) في ضمنه أمر بذكر الله وبدعائه.
(وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا(19)
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ سمى محمدا - صلى الله عليه وسلم - بِعَبْدِ اللَّهِ، وَمَا ذَكَرَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ أَوْ نَبِيِّ اللَّهِ؟
قُلْنَا: لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوحَى، فَاللَّائِقُ بِتَوَاضُعِ الرَّسُولِ أَنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ كَلَامِ الْجِنِّ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَمَّا اشْتَغَلَ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، فَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ لِمَ اجْتَمَعُوا وَلِمَ حَاوَلُوا مَنْعَهُ مِنْهُ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لقانون العقل؟
(حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا(24)
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا الشَّيْءُ الَّذِي جَعَلَ مَا بَعْدَ (حَتَّى) غَايَةً لَهُ؟
قُلْنَا: فِيهِ وَجْهَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بقوله: (يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) [الجن: 19] وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُمْ يَتَظَاهَرُونَ عَلَيْهِ بِالْعَدَاوَةِ وَيَسْتَضْعِفُونَ أَنْصَارَهُ وَيَسْتَقِلُّونَ (عَدَدَهُمْ) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ وَإِظْهَارِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ أَوْ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَسَيَعْلَمُونَ أَيُّهُمْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا.