قال صاحب النظم: معنى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ؛ ليكون ما قدر عليكم من الخير والشر فتجازون به؛ لأن الجزاء بما كان وما يكون من الخلق. وسمي وقوع ذلك الذي قدر علينا بلوى منه؛ تحذيرًا وتخويفًا. وعلى ما رواه عطاء في تفسير الموت والحياة يتعلق قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ} بخلق الموت والحياة على الوجه الذي ذكرنا في تفسير الكلبي.
قال الفراء والزجاج: المتعلق بأيكم مضمر، لأن المعنى والتقدير: ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملاً، وارتفعت (أي) بالابتداء ولا يعمل فيها ما قبلها؛ لأنها على أصل الاستفهام، وذلك أنك إذا قلت: لأعلم أيكم أفضل. كان المعنى: لأعلم أزيد أفضل أم عمرو. وأعلم لا يعمل فيما بعد الألف، وكذلك لا يعمل في أي، لأن المعنى واحد، وهذا مما سبق الكلام فيه. ومثل هذا قوله: {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} [القلم: 40] يريد: سلهم ثم انظر أيهم يكفل بذلك. والكلام في إعراب أي فيما ذكرنا.
ومعنى قوله: {أَحْسَنُ عَمَلًا} قال أبو قتادة: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه فقال:"يقول: أيكم أحسن عقلاً. ثم قال: أتمكم عقلاً، أشدكم لله خوفًا، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظرًا". ونحو هذا قال قتادة: أتم عقلاً، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله.
وإنما جاز أن يفسر حسن العمل بتمام العقل؛ لأنه يترتب على العقل، فمن كان أتم عقلاً كان أحسن عملًا على ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي قتادة.
وروي عن الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها. قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ} أي في انتقامه ممن عصاه فلم يعتبر بما خلق ولم يستدل على توحيده وقدرته {الْغَفُورُ} لمن تاب إليه، واستدل بصنيعه على توحيده. ثم أخبر عن صنعه الذي يدل على توحيده فقال: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} قال ابن عباس والمفسرون: بعضها فوق بعض.