أي تكاد أعصابه المتلاحمة تتزايل ، وأخلاطه المتجاورة تتنافى وتتباعد ، من شدة اهتياج غيظه ، واحتدام طبعه. فأجرى سبحانه هذه الصفة - التي هي أبلغ صفات الغضبان - على نار جهنم لما وصفها بالغيظ ، ليكون التمثيل فِي أقصى منازله ، وأعلى مراتبه.
[سورة الملك (67) : آية 15]
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)
وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها [15] وهذه استعارة. لأن الذّلول من صفة الحيوان المركوب. يقال: بعير ذلول. وفرس ذلول. إذا أمكن من ظهره ، وتصرّف على مراده راكبه.
وضدّ ذلك وصفهم للمركوب المانع ظهره ، والممتنع على راكبه بالصّعب والمصعب.
والمعنى: أنه سبحانه جعل الأرض للناس كالمركوب الذلول ، ممكنة من الاستقرار عليها ، والتصرّف فيها ، طائعة غير مانعة ، ومذعنة غير مدافعة.
والمراد بقوله تعالى: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها أي فِي ظهورها وأعاليها ، وأعلى كلّ شى ء منكب له.
وقال بعضهم: معنى ذلك أنه سبحانه لما أصابنا فِي بعض الأحيان بالرجفات والزلازل التي لا قرار معها على وجه الأرض ، وخلق الجبال الخشن الملامس ، الصعبة المسالك لتكون للأرض ثقلا ، وللخلق معقلا ، أعلمنا سبحانه أنه لو لا ما أنعم به علينا من تسكين الأرض وتوطئتها ، ونفى الحزونة «1» والوعوث عن أكثرها حتى أمكنت من التصرف على ظهرها ، لما كان عليها مثبت قدم ، ولا مسرح نعم. وقد استقصينا الكلام على ذلك فِي كتابنا الكبير.
(1) الحزونة: غلظ الأرض ، والوعوث: صعوبة الطريق وتعسر السلوك فيه.