قوله عزَّ وجلَّ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ} .
وبعده {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} قيل: دخلت الفاء ها هنا في قوله: {فَمَنْ يُجِيرُ} وقوله: {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ} ؛ لأن {أَرَأَيْتُمْ} بمعنى: انتبهوا، أي: انتبهوا فمن يجير، وانتبهوا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ، كما تقول: قم فزيد قائم، ولا يكون الفاء جواب الشرط، وإنما جواب الشرط مقدرٌ مدلولُ {أَرَأَيْتُمْ} ، والتقدير: إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا لَمْ ينفعكم. ولك أن تقدر فعلًا يكون قوله: {فَمَنْ يُجِيرُ} عطفًا عليه مُعْتَقِبًا له، يدلُّ عليه قوله: {أَرَأَيْتُمْ} ، والتقدير: تفكروا وانتبهوا تعلموا ذلك فمن يجير الكافرين، وهذا راجع إلى معنى الأول، غير أن فيه زيادة بيان.
وقد جوز أن يكون الفاءُ صِلةً كالتي في قوله: {فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ} على أحد الوجهين، ويكون الاستفهام سادًّا مسد مفعول {أَرَأَيْتُمْ} ، كقولهم: أرأيت زيدًا ما فعل؟
و {غَوْرًا} خبر {أَصْبَحَ} ، أي: غائرًا، كَعَدْلٍ بمعنى عادل، أو ذا غورٍ، أي: ذاهبًا في الأرض.
وفي وزن {مَعِينٍ} وجهان:
أحدهما: أنه مفعول من العين، كمبيع من البيع، أي: مُبْصرٌ بالعين،
أي: تراه العيون. وقيل: من عين الماء أي: تمده عيونٌ، ووزنه في كلا القولين مفعول، وأصله معيون، فسكنت الياء استثقالًا للضمة عليها، فاجتمع ساكنان، فحذفت الياء بعد نقل حركتها إلى العين فبقي معون، ثم أبدلت من الضمة كسرة لتنقلب الواو ياء فَيُعْلَمَ أنه من ذوات الياء، كما فعل في مبيع، فبقي (معين) كما تري، أو حذفت الواو لسكونها وسكون الياء قبلها على الخلاف المشهور بين صاحب الكتاب وبين أبي الحسن رحمهما الله في إعلال اسم المفعول من ذوات الواو والياء.
والثاني: أنه فَعِيل من المَعْن، وهو الشيء السهل الهين. قال النمر بن تولب:
600 -... فإِنَّ هَلَاكَ ما لِكَ غيرُ مَعْنِ
أي غير هين. والله تعالى أعلم بكتابه.
هدا آخر إعراب سورة الملك
والحمد لله وحده. انتهى انتهى {الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد، للمنتجب الهمذاني. 6/} ...