وجوب التكليف هم على الفطرة، وكذلك يخلق الله - جلَّ جلالُه - في الجنة ولدانًا غير هؤلاء
وهؤلاء ينشؤهم فيها إنشاء.
أتبع ذلك قوله - عز جلاله: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ(29)
بنعمة ربك؛ أي: بالعافية، وخاصة النبوة والرسالة.
يقول - تبارك وتعالى: (فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ) لا كما يقولون(وَلَا
مَجْنُونٍ)كما زعموا، فكان في معنى هذا الخطاب معنى سؤال التقرير والتقريع.
ثم نظم به: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ(30) . كأنه قال:
أتقولون هذا أم تقولون نظم بذلك قوله - عز من قائل: (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ
الْمُتَرَبِّصِينَ (31) .
ثم قال - عز من قائل: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا) نظمًا على ما تقدم، ويكون
المعنى أيضًا: أن يكون ذكر الصفة بدلاً من الموصوفين، تقدير الكلام: أم تأمرهم
حلماؤهم بهذا وهم أهل التؤدة والرأي، فليسوا إذن ذو حلم ولا عقل (أَمْ هُمْ قَوْمٌ
طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ). كل هذه الوجوه قد وجهوها وقالوا
بها، بل لا يؤمنون بأنه من عند الله، لو تفكروا في الخطاب وتدبروا آيات القرآن
لأطلعهم حق الكتاب على أنه من عند الله(لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
خَلْفِهِ)لذلك قال - عز من قائل: (بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ(33) .
نظم به قوله: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ(34) .
ثم قال - عز من قائل: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ...(35) . من غير طين أو من غير نور
كالذي هو خلق الملائكة - عليهم السلام - أو من غير نار كالذي هو خلق الجن،
ولما كان قسيم هذا الكلام قوله: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) كان محذوفة"أم لم يخلقوا"ثم ينتظم به على الولاء قوله: فهم الخالقون، حكم بهذا للزوم
وجودهم.
ثم قال - عز من قائل: (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ...(36) . لما كان العلم بخلقه
العبد نفسه وبخلقه السماوات والأرض بكسب اليقين كان قسيمه في النظم قوله: