والملاقاة مستعارة أيضاً للحلول فيه ، والإتيان بالموصول للتنبيه على خطئهم في إنكاره.
و {يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً} بدل من {يومهم} [الطور: 45] وفتحته فتحة إعراب لأنه أضيف إلى مُعرب.
والإِغناء: جعل الغير غنياً ، أي غير محتاج إلى ما تقوم به حاجياته ، وإذا قيل: أغنى عنه.
كان معناه: أنه قام مقامه في دفع حاجة كان حقه أن يقوم بها ، ويتوسع فيه بحذف مفعوله لظهوره من المقام.
والمراد هنا لا يغني عنهم شيئاً عن العذاب المفهوم من إضافة {يوم} إلى ضميرهم ومن الصلة في قوله: {الذي فيه يصعقون} .
و {كيدهم} من إضافة المصدر إلى فاعله ، أي ما يكيدون به وهو المشار إليه بقوله: {أم يريدون كيداً} [الطور: 42] ، أي لا يستطيعون كيداً يومئذٍ كما كانوا في الدنيا.
فالمعنى: لا كيد لهم فيغني عنهم على طريقة قول امرئ القيس:
على لاَحِبٍ لا يُهتدَى بمناره...
أي لا منار له فيهتدي به.
وهذا ينفي عنهم التخلص بوسائل من فعلهم ، وعطف عليه {ولا هم ينصرون} لنفي أن يتخلصوا من العذاب بفعل من يخلصهم وينصرهم فانتفى نوعا الوسائل المنجية.
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47)
جملة معترضة والواو اعتراضية ، أي وإن لهم عذاباً في الدنيا قبل عذاب الآخرة ، وهو عذاب الجوع في سني القحط ، وعذاب السيف يوم بدر.
وفي قوله: {للذين ظلموا} إظهار في مقام الإِضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال: وإن لهم عذاباً جرياً على أسلوب قوله: {فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون} [الطور: 45] فخولف مقتضى الظاهر لإِفادة علة استحقاقهم العذاب في الدنيا بأنها الإِشراك بالله.
وكلمة {دون} أصلها المكان المنفصل عن شيء انفصالاً قريباً ، وكثر إطلاقه على الأقل ، يقال: هو في الشرف دونَ فلان ، وعلى السابق لأنه أقرب حلولاً من المسبوق ، وعلى معنى (غير) .