قال قتادة: هذا جواب لقولهم: {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون} يقول الله: أم عندهم الغيب حتى علموا أن محمداً يموت قبلهم ، فهم يكتبون؟ قال ابن قتيبة: معنى يكتبون: يحكمون بما يقولون {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً} أي: مكراً برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيهلكونه بذلك المكر {فالذين كَفَرُواْ هُمُ المكيدون} أي: الممكور بهم المجزيون بكيدهم ، فضرر كيدهم يعود عليهم {وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] وقد قتلهم الله في يوم بدر ، وأذلهم في غير موطن ، ومكر سبحانه بهم {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين} [آل عمران: 54] {أَمْ لَهُمْ إله غَيْرُ الله} أي: بل أيدّعون أن لهم إلها غير الله يحفظهم ويرزقهم وينصرهم؟! ثم نزّه سبحانه نفسه عن هذه المقالة الشنعاء فقال: {سبحان الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: عن شركهم به ، أو عن الذين يجعلونهم شركاء له.
ثم ذكر سبحانه بعض جهالاتهم ، فقال: {وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مّنَ السماء ساقطا يَقُولُواْ سحاب مَّرْكُومٌ} الكسف جمع كسفة: وهي القطعة من الشيء ، وانتصاب ساقطاً على الحال ، أو على أنه المفعول الثاني ، والمركوم: المجعول بعضه على بعض.
والمعنى: أنهم إن يروا كسفاً من السماء {ساقطاً} عليهم لعذابهم ، لم ينتهوا عن كفرهم بل يقولون: هو سحاب متراكم بعضه على بعض ، وقد تقدّم اختلاف القرّاء في {كسفاً} ، قال الأخفش: من قرأ {كسفاً} ، يعني: بكسر الكاف وسكون السين جعله واحداً ، ومن قرأ"كسفاً"، يعني: بكسر الكاف وفتح السين جعله جمعاً.
ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتركهم ، فقال: {فَذَرْهُمْ حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذي فِيهِ يُصْعَقُونَ} أي: اتركهم وخلّ عنهم حتى يلاقوا يوم موتهم ، أو يوم قتلهم ببدر ، أو يوم القيامة.