وَقَوْلُهُ (لَهُمْ) أَيْ مِلْكُهُمْ إِعْلَامًا لَهُمْ بِقُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِمْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ امْتِيَازَ خَمْرِ الْآخِرَةِ عَنْ خَمْرِ الدُّنْيَا بَيَّنَ امْتِيَازَ غِلْمَانِ الْآخِرَةِ عَنْ غِلْمَانِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْغِلْمَانَ فِي الدُّنْيَا إِذَا طَافُوا عَلَى السَّادَةِ الْمُلُوكِ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ لِحَظِّ أَنْفُسِهِمْ إِمَّا لِتَوَقُّعِ النَّفْعِ أَوْ لِتَوَفُّرِ الصَّفْحِ، وأما في الآخرة فطوفهم عليهم متمحض لَهُمْ وَلِنَفْعِهِمْ وَلَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَيْهِمْ وَالْغُلَامُ الَّذِي هَذَا شَأْنُهُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ وَرُبَّمَا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الْأَوْلَادِ.
(قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ(31)
كَيْفَ قَالَ: (تَرَبَّصُوا) بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَأَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوجِبُ الْمَأْمُورَ بِهِ أَوْ يُفِيدُ جَوَازَهُ، وَتَرَبُّصُهُمْ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا؟
نَقُولُ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَمْرٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَهْدِيدٌ مَعْنَاهُ تَرَبَّصُوا ذَلِكَ فَإِنَّا نَتَرَبَّصُ الْهَلَاكَ بِكُمْ عَلَى حَدِّ مَا يَقُولُ السَّيِّدُ الْغَضْبَانُ لِعَبْدِهِ افْعَلْ مَا شِئْتَ فَإِنِّي لَسْتُ عَنْكَ بِغَافِلٍ وَهُوَ أَمْرٌ لِتَهْوِينِ الْأَمْرِ عَلَى النَّفْسِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ يُهَدِّدُهُ بِرَجُلٍ وَيَقُولُ أَشْكُوكَ إِلَى زَيْدٍ فَيَقُولُ اشْكُنِي أَيْ لَا يَهُمُّنِي ذَلِكَ وَفِيهِ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَا تَشْكُنِي لَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ الْخَوْفِ وَيُنَافِيهِ مَعْنَاهُ، فَأَتَى بِجَوَابٍ تَامٍّ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى.
«فَإِنْ قِيلَ» : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ تَرَبَّصُوا أَوْ لَا تَرَبَّصُوا كَمَا قَالَ: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا) [الطُّورِ: 16] ؟