قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَذابَ رَبِّكَ) فِيهِ لَطِيفَةٌ عَزِيزَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ قَالَ إِنَّ عَذَابَ اللَّهِ لَوَاقِعٌ، وَاللَّهُ اسْمٌ مُنْبِئٌ عَنِ الْعَظَمَةِ وَالْهَيْبَةِ كَانَ يَخَافُ الْمُؤْمِنُ بَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْ يَلْحَقَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ تَعَالَى مُسْتَغْنِيًا عَنِ الْعَالَمِ بِأَسْرِهِ، فَضْلًا عَنْ وَاحِدٍ فِيهِ، فَآمَنهُ بِقَوْلِهِ (رَبِّكَ) فَإِنَّهُ حِينَ يَسْمَعُ لَفْظَ الرَّبِّ يَأْمَنُ.
قَوْلُهُ (لَواقِعٌ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الشِّدَّةِ، فَإِنَّ الْوَاقِعَ وَالْوُقُوعَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فَالْوَاقِعُ أَدَلُّ عَلَى الشِّدَّةِ مِنَ الْكَائِنِ.
(اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(16)
فَي قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا فِيهِ) فَائِدَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: بَيَانُ عَدَمِ الْخَلَاصِ وَانْتِفَاءِ الْمَنَاصِ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَصْبِرُ يَدْفَعُ الشَّيْءَ عَنْ نَفْسِهِ إِمَّا بِأَنْ يَدْفَعَ الْمُعَذِّبَ فَيَمْنَعَهُ وَإِمَّا بِأَنْ يُغْضِبَهُ فَيَقْتُلَهُ وَيُرِيحَهُ وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ يُفِيدُ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ فَإِنَّ مَنْ لَا يَغْلِبُ المعذب فيدفعه ولا يتلخص بِالْإِعْدَامِ فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ فَيَمُوتُ، فَإِذَنِ الصَّبْرُ كَعَدَمِهِ، لِأَنَّ مَنْ يَصْبِرُ يَدُومُ فِيهِ، وَمَنْ لَا يَصْبِرُ يَدُومُ فِيهِ الثَّانِيَةُ: بَيَانُ مَا يَتَفَاوَتُ بِهِ عَذَابُ الْآخِرَةِ عَنْ عَذَابِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْمُعَذَّبَ فِي الدُّنْيَا إِنْ صَبَرَ رُبَّمَا انْتَفَعَ بِالصَّبْرِ إِمَّا بِالْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا بِالْحَمْدِ فِي الدُّنْيَا، فَيُقَالُ لَهُ مَا أَشْجَعَهُ وَمَا أَقْوَى قَلْبَهُ، وَإِنْ جَزِعَ يُذَمُّ، فَيُقَالُ يَجْزَعُ كَالصِّبْيَانِ وَالنِّسْوَانِ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ لَا مَدْحَ وَلَا ثَوَابَ عَلَى الصَّبْرِ، وَقَوْلُهُ تعالى: سَواءٌ عَلَيْكُمْ سواء خبر، ومبتدأه مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا كَأَنَّهُ يَقُولُ: الصَّبْرُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ.