نَقُولُ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْوُضُوحِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكِتَابَ الْمَطْوِيَّ لَا يُعْلَمُ مَا فِيهِ فَقَالَ هُوَ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَلَيْسَ كَالْكُتُبِ الْمَطْوِيَّةِ وَعَلَى هَذَا الْمُرَادِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ فَمَعْنَاهُ هُوَ مَنْشُورٌ لَكُمْ لَا يَمْنَعُكُمْ أَحَدٌ مِنْ مُطَالَعَتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ كِتَابُ أَعْمَالِ كُلِّ أَحَدٍ فَالتَّنْكِيرُ لِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِعَيْنِهِ وَ (فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ) لِبَيَانِ وَصْفِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا) [الْإِسْرَاءِ: 13] وَذَلِكَ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَعْرُوفِ إِذَا وُصِفَ كَانَ إِلَى الْمَعْرِفَةِ أَقْرَبَ شَبَهًا.
* فِي بَعْضِ السُّورِ أَقْسَمَ بِجُمُوعٍ كما في قوله تَعَالَى: (وَالذَّارِياتِ) وقوله (وَالْمُرْسَلاتِ) وقوله (وَالنَّازِعاتِ) وَفِي بَعْضِهَا بِإِفْرَادٍ كَمَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ حَيْثُ قَالَ: (وَالطُّورِ) وَلَمْ يَقُلْ وَالْأَطْوَارِ وَالْبِحَارِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قُلْنَا الْمُرَادُ مِنَ الطُّورِ الْجَبَلُ الْعَظِيمُ كَالطَّوْدِ، كَمَا فِي قوله تَعَالَى: (وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ) [النِّسَاءِ: 154] أَيِ الْجَبَلَ فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟
نَقُولُ فِي الْجُمُوعِ فِي أَكْثَرِهَا أَقْسَمَ بِالْمُتَحَرِّكَاتِ وَالرِّيحُ الْوَاحِدَةُ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ حَتَّى يَقَعَ الْقَسَمُ بِهَا، بَلْ هِيَ مُتَبَدِّلَةٌ بِأَفْرَادِهَا مُسْتَمِرَّةٌ بِأَنْوَاعِهَا وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالتَّبَدُّلِ وَالتَّغَيُّرِ فَقَالَ: (وَالذَّارِياتِ) إِشَارَةً إِلَى النَّوْعِ الْمُسْتَمِرِّ إِلَى الْفَرْدِ الْمُعَيَّنِ الْمُسْتَقِرِّ، وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ ثَابِتٌ قَلِيلُ التَّغَيُّرِ وَالْوَاحِدُ مِنَ الْجِبَالِ دَائِمٌ زَمَانًا وَدَهْرًا، فَأَقْسَمَ فِي ذَلِكَ بالواحد وكذلك قوله وَالنَّجْمِ وَالرِّيحُ مَا عُلِمَ الْقَسَمُ بِهِ وَفِي الطُّورِ علم.
(إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ(7) مَا لَهُ مِنْ دافِعٍ (8)