ومعنى العبادة في اللغة العربية قبل حدوثثِ المصطلحات الشرعية دقيق الدلالة ، وكلمات أئمة اللغة فيه خفية والذي يُستخلص منها أنها إظهار الخضوع للمعبود واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضُرّه مِلكاً ذاتياً مستمراً ، فالمعبود إله للعابد كما حكى الله قول فرعون {وقومهما لنا عابدون} [المؤمنون: 47] .
فالحصر المستفاد من قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} قصرُ علةِ خلق الله الإِنسَ والجنَّ على إرادته أن يعبدوه ، والظاهر أنه قصر إضافي وأنه من قبيل قصر الموصوف على الصفة ، وأنه قصر قلب باعتبار مفعول {يعبدون} ، أي إلا ليعبدوني وحدي ، أي لا ليشركوا غيري في العبادة ، فهو ردّ للإِشراك ، وليس هو قصراً حقيقياً فإنا وإن لم نطلع على مقادير حِكَم الله تعالى من خَلق الخلائق ، لكنَّا نعلم أن الحكمة من خلقهم ليست مُجردَ أن يعبدوه ، لأن حِكَم الله تعالى من أفعاله كثيرة لا نُحيط بها ، وذكر بعضها كما هنا لما يقتضي عدم وجود حكمة أخرى ، ألاَ ترى أن الله ذكر حِكماً للخلق غير هذه كقوله: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118 ، 119] بَلْهَ ما ذكره من حكمة خلق بعض الإِنس والجن كقوله في خلق عيسى {ولنجعله آية للناس ورحمة منا} [مريم: 21] .