ما أريد في العربية يفيد النفي في الحال ، والتخصيص بالذكر يوهم نفي ما عدا المذكور ، لكن الله تعالى لا يريد منهم رزقاً لا في الحال ولا في الاستقبال ، فلم لم يقل لا أريد منهم من رزق ولا أريد ؟ نقول ما للنفي في الحال ، ولا للنفي في الاستقبال ، فالقائل إذا قال فلان لا يفعل هذا الفعل وهو في الفعل لا يصدق ، لكنه إذا ترك مع فراغه من قوله يصدق القائل ، ولو قال ما يفعل لما صدق فيما ذكرنا من الصورة ، مثاله إذا كان الإنسان في الصلاة وقال قائل إنه ما يصلي فانظر إليه فإذا كان نظر إليه الناظر وقد قطع صلاة نفسه صح أن يقول إنك لا تصلي ، ولو قال القائل إنه ما يصلي في تلك الحالة لما صدق ، فإذا علمت هذا فكل واحد من اللفظين للنافية فيه خصوص لكن النفي في الحال أولى لأن المراد من الحال الدنيا والاستقبال هو في أمر الآخرة فالدنيا وأمورها كلها حالية فقوله {مَا أُرِيدُ} أي في هذه الحالة الراهنة التي هي ساعة الدنيا ، ومن المعلوم أن العبد بعد موته لا يصلح أن يطلب منه رزق أو عمل فكان قوله {مَا أُرِيدُ} مفيداً للنفي العام ، ولو قال لا أريد لما أفاد ذلك.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)