والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محياً وأن يستووا مماتاً لافتراق أحوالهم أحياء، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات وأولئك على اقتراف السيئات، ومماتاً حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والكرامة وأولئك على اليأس من الرحمة والندامة.
وقيل: معناه إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة في الرزق والصحة.
وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام فبلغ هذه الآية فجعل يبكي ويردد إلى الصباح.
وعن الفضيل أنه بلغها فجعل يرددها ويبكي ويقول: يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت.
(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ...(24)
{نَمُوتُ وَنَحْيَا} نموت نحن ونحيا ببقاء أولادنا، أو يموت بعضٌ ويحيا بعضٌ، أو نكون مواتاً نطفاً في الأصلاب ونحيا بعد ذلك، أو يصيبنا الأمران الموت والحياة يريدون الحياة في الدنيا والموت بعدها وليس وراء ذلك حياة.
وقيل: هذا كلام من يقول بالتناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في موات فيحيا به {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر} كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بإذن الله، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان ومنه قوله عليه السلام: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر»
أي فإن الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر.
(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(25)
وسمى قولهم حجة وإن لم يكن حجة لأنه في زعمهم حجة.
و {حُجَّتَهُمْ} خبر (كان) واسمها {أَن قَالُواْ} والمعنى ما كان حجتهم إلا مقالتهم.
وقرئ {حُجَّتُهُمْ} بالرفع على أنها اسم (كان) و {أَن قَالُواْ} الخبر.