وذهبت طَائِفَةٌ إِلَى الْإِبَاحَةِ وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الِاتِّبَاعَ فِيمَا كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَعُلِمَ بِهِ مَقْصِدُ الْقُرْبَةِ.
وَمَنْ قَالَ بِالْإِبَاحَةِ فِي أَفْعَالِهِ لَمْ يُقَيِّدْ .. قَالَ: «فَلَوْ جَوَّزْنَا عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرَ لَمْ يُمْكِنِ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ إِذْ لَيْسَ كل فعل من أفعاله يتميز مقصده به مِنَ الْقُرْبَةِ أَوِ الْإِبَاحَةِ أَوِ الْحَظْرِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْمَرَ الْمَرْءُ بِامْتِثَالِ أَمْرٍ لَعَلَّهُ مَعْصِيَةٌ لَا سِيَّمَا عَلَى مَنْ يَرَى مِنَ الْأُصُولِيِّينَ تَقْدِيمَ الْفِعْلِ عَلَى الْقَوْلِ إذا تعارضا.
ونزيد هَذَا حُجَّةً بِأَنْ نَقُولَ: مَنْ جَوَّزَ الصَّغَائِرَ وَمَنْ نَفَاهَا عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى مُنْكَرٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَأَنَّهُ مَتَى رَأَى شَيْئًا فَسَكَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ .. فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا حَالَهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ثُمَّ يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِنْهُ فِي نَفْسِهِ؟!
-وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ تَجِبُ عصمته من مواقعة المكروه كما قيل ..
وإذ الخطر أَوِ النَّدْبُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِفِعْلِهِ يُنَافِي الزَّجْرَ وَالنَّهْيَ عَنْ فِعْلِ الْمَكْرُوهِ.
-وَأَيْضًا فَقَدْ عُلِمَ من دين الصحابة قطعا الاقتداء بأفعال النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف توجهت، وفي كُلِّ فَنٍّ كَالِاقْتِدَاءِ بِأَقْوَالِهِ .. فَقَدْ نَبَذُوا خَوَاتِيمَهُمْ حِينَ نَبَذَ خَاتَمَهُ .. وَخَلَعُوا نِعَالَهُمْ حِينَ خَلَعَ .. وَاحْتِجَاجُهُمْ بِرُؤْيَةِ ابْنِ عُمَرَ إِيَّاهُ جَالِسًا لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ .. وَاحْتَجَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي غَيْرِ شَيْءٍ مِمَّا بَابُهُ الْعِبَادَةُ أَوِ الْعَادَةُ بِقَوْلِهِ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ» وَقَالَ: «هَلَّا خَبَّرْتِيهَا أَنِّي أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ» ..