ويجوز أن يراد بالآخرين: أُمة يبعث فيها نبي، وأنه - عليه السلام - طلب الصيت الحسن والذكر الجميل فيهم بأن يبعث منهم نبي يجدد أصل دينه، ويدعو الناس إلى ما كان يدعوهم إليه من التوحيد، معلنا أن ذلك ملة إبراهيم - عليه السلام - فكأنه طلب بعثة نبي في آخر الزمان لا تنسخ شريعته إلى يوم القيامة، وليس ذلك إلا بعثة نبينا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وقد طلب بعثته - عليه السلام - بما هو أصرح من ذلك وهو قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} ولذا قال - صلى الله عليه وسلم:"أنا دعوة إبراهيم عليه السلام".
ويكون المعنى حينئذ: واجعل لي صاحب لسان صادق في الآخرين، أواجعل لي داعيًا إلى الحق -
صادقًا في الآخرين، واستدل الإمام مالك بهذه الآية على أنه لا بأس أن يحب الرجل أن
يثنى عليه، والأمور بمقاصدها.
85 - {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} :
قال ابن كثير: بعد أن طلب أن ينعم الله عليه في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعده طلب أن ينعم عليه في الآخرة بأن يجعله من ورثة جنة النعيم، وذلك لأن المؤمنين يرثون منازل الكفار في الجنة، لأنهم قاموا بما وجب عليهم لله من عبادته وحسن طاعته وعدم الإشراك به دونهم، فأحرزوا نصيبهم في الجنة، عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما منكم أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قول الله - عَزَّ وَجَلَّ: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} ويجوز أن يسمى الحصول على الجنة وراثة لحصولهم عليها دون غيرهم، ولأنهم يتصرفون فيها كما يتصرف الوارث في ميراثه."
واستدل بدعائه - عليه السلام - بهذا مع ما تقدم من الأدعية على أن العمل الصالح لا يوجب دخول الجنة، وكذلك كون العبد ذا منزلة عند الله - عَزَّ وَجَلَّ - وإلا لاستغنى - عليه السلام - عن طلب الكمال في العلم والعمل والإلحاق بالصالحين ذوي الزلفى، وأنت تعلم أنه يحسن الإطالة في مقام الابتهال.
والمعنى: واجعلني من عبادك الذين منحتهم نعيم الجنة ثوابا على إيمانهم بك وعبادتهم لك.