ثم قال عز وجل: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إسراءيل} يعني: أو كان هذا نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ، فكأنه أنكر عليه.
فقال: كيف تكون نعمتك التي تمن علي؟ فإنك قد عبدت بني إسرائيل ، أي استعبدتهم ، وتمن علي.
ويقال: قد اعترف له بالنعمة.
فقال: وتلك نعمة تمن علي حيث عبدت بني إسرائيل ، ولم تعبدني.
ويقال: معناه تلك نعمة ، إنما صارت نعمة بتعبيدك بني إسرائيل ، ولم تعبدني ، لأنك لو لم تعبدهم لم تجعلني أمي في التابوت حتى صرت في بيتك ، ولكن إنما صارت نعمة لأجلك ، حيث عبدت بني إسرائيل.
وقال مقاتل: وتلك نعمة تمنها علي يا فرعون بإحسانك إلي خاصة ، وبترك أبنائك أن عبدت بني إسرائيل.
وقال الكلبي يقول: تستعبد بني إسرائيل ، وتمن علي لذلك {قَالَ فِرْعَوْنُ} لموسى {وَمَا رَبُّ العالمين} منكراً له ، وهذا جواب لقوله: {إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين} فجاء بجواب قطع حجته {قَالَ رَبّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} بتوحيد الله تعالى ، فعجز فرعون عن الجواب {فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} إلى قول موسى عليه السلام قالوا له فيما تقول يا موسى؟ فجاء بحجة أُخرى ليؤكد عليهم {قَالَ رَبُّكُمْ} يعني: أدعوكم إلى ربكم {وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الأولين} يعني: إلى توحيد خالقكم وخالق آبائكم الأولين {قَالَ} فرعون لجلسائه {إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ} موسى عليه السلام ليس بمجنون مثلي أدعوكم إلى {رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} يعني: إن كان لكم ذهن الإنسانية ، فلما عجز عن الجواب ، مال إلى العقوبة كما يفعل السلاطين {فَقَالَ لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِى} يعني: لئن عبدت رباً غيري.
{لاجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين} يعني: لأحبسنك في السجن.