ومعنى {مَا يَأْفِكُونَ} [الشعراء: 45] من الإفك يعني: قلْب الحقائق ؛ لذلك سَمَّوْا الكذب إفْكاً ؛ لأنه يقلب الحقيقة ويُغير الواقع .
ومنها {والمؤتفكة أهوى} [النجم: 53] وهي القرى الظالمة التي أهلكها الله ، فجعل عاليها سافلها .
وسبق أن أوضحنا أن الكذب وقَلْب الحقائق يأتي من أنك حين تتكلم ، فللكلام نِسَبٌ ثلاث: نسبة في الذِّهْن ، ونسبة على اللسان ، ونسبة في الواقع . فإنْ طابقتْ النسبةُ الكلامية الواقع ، فأنت صادق ، وإنْ خالفتْه فأنت كاذب .
وسَمَّى ما يفعله السحرة إفكاً ؛ لأنهم يُغيِّرون الحقيقة ، ويُخيِّلون للناس غيرها .
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46)
لم يقُل الحق سبحانه: فسجد السحرة ، إنما {فَأُلْقِيَ السحرة سَاجِدِينَ} [الشعراء: 46] والإلقاء يدل على سرعة الاستجابة ، وأن السجود تَمَّ منهم دون تفكير ؛ لأنه أمر فوق إرادتهم ، وكأن جلال الموقف وهيبته وروعة ما رَأوْا ألقاهم على الأرض ساجدين لله ، صاحب هذه الآية الباهرة ؛ لذلك لم يقولوا عندها آمنَّا بربِّ موسى وهارون ، إنما قالوا: {قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ العالمين}
وحين نتأمل ردَّ فِعْل السحرة هنا نجد أنهم خرُّوا لله ساجدين أولاً ، ثم أعلنوا إيمانهم ثانياً ، ومعلوم أن الإيمان يسبق العمل ، وأن السجود لا يتأتى إلا بعد إيمان ، فكيف ذلك؟
قالوا: هناك فَرْق بين وقوع الإيمان ، وبين أنْ تخبر أنت عن الإيمان ، فالمتأخر منهم ليس الإيمان بل الإخبار به ؛ لأنهم ما سجدوا إلا عن إيمان واثق ينجلي معه كل شكٍّ ، إيمان خطف ألبابهم وألقاهم على الأرض ساجدين لله ، حتى لم يمهلهم إلى أنْ يعلنوا عنه ، لقد أعادهم إلى الفطرة الإيمانية في النفس البشرية ، والمسائل الفطرية لا علاجَ للفكر فيها .
وكأن سائلاً سألهم: لِمَ تسجدون؟ قالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ العالمين * رَبِّ موسى وَهَارُونَ} [الشعراء: 4748] .