37 -وذلك لظنهم أن السحرة إذا كثرت غلبوا موسى عليه السلام وكشفوا حاله {يَأْتُوكَ} ؛ أي: الحاشرون {بِكُلِّ سَحَّارٍ} ؛ أي: بليغ في صناعة السحر {عَلِيمٍ} ؛ أي: فائق في معرفتها، يعارضوا موسى بمثل سحره، بل يفضلوا عليه، ويتضح للعامة كذبه، فتقتله حينئذ، وهذا تدبير النفس وإلقاء الشيطان في دفع الحق الصريح، وكل تدبير هكذا في كل عمر فصاحبه مدمَّر ألبتَّة، وإنما يجيء خبث القول والفعل لمن خبث النفس؛ إذ كل إناء يترشح بما فيه، ولو ترك فرعون وقومه التدبير في أمر موسى، وقابلوه بالقبول .. لسلموا من كل آفة، لكن منعهم حب الجاه عن الانتباه، وحبك الشيء يعمي ويصم.
وقرأ الأعمش وعاصم في رواية: {بكل ساحر} ، وأمال {سحار} ابن عامر والكسائي وأبو عمرو.
ومعنى الآية: أي قالوا له: أخر البت في أمرهما، ولا تعاجلهما بالعقوبة، حتى تجمع لهما من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار عليم، ثم تقابلهم به وجهًا لوجه، ويأتون من ضروب السحر ما يستطيعون به التغلب عليه، فتكون قد قابلت الحجة بالحجة، وقرعت الدليل بمثله، ويكون لك النصر والتأييد عليه، وتجتذب قلوب الشعب إليك.
وقد كان هذا من تسخير الله تعالى له؛ ليجتمع الناس في صعيد واحد، وتظهر آيات الله تعالى وحججه للناس في وضح النهار جهرة. روي أن فرعون أراد قتله، فقال له الملأ: لا تفعل فإنك إن قتلته أدخلت على الناس شبهة في أمره، وأشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون له كل سحار عليم ظنًا منهم أنهم إذا كثروا غلبوه على أمره، وتم لفرعون الغلب فأخذ بمشورتهم وأجابهم إلى طلبتهم.