38 - {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ} ؛ أي: بعث فرعون الشرط في المدائن لجمع السحرة، فجمعوا وهم اثنان وسبعون، أو سبعون ألفًا كما يدل عليه كثرة الحبال والعصي التي خيلوها، وكان اجتماعهم بالإسكندرية على ما رواه الطبري. {لِمِيقَاتِ} وميعاد {يَوْمٍ مَعْلُومٍ} عندهم. والميقات: الوقت المضروب للشيء؛ أي: اجتمعت السحرة في الوقت الذي وقت به موسى، وعين لهم من ساعات يوم معين، وذلك الوقت وقت الضحى من يوم الزينة، وهو يوم عيد لهم، كانوا يتزينون ويجتمعون فيه كل سنة، روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه وافق يوم السبت في أول يوم من السنة؛ وهو يوم النيروز، وهو أول يوم من فرودين ماه، ومعنى نيروز بلغة القبط: طلع الماء؛ أي: علا ماء النيل، وبلغة العجم نوروز؛ أي: اليوم الجديد، وهو أول السنة المستأنفة عندهم.
وإنما وقت لهم موسى وقت الضحى من يوم الزينة في قوله: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ} ، ليظهر الحق ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد، ويشيع ذلك في الأقطار، واختاره فرعون أيضًا، ليظهر كذب موسى بمحضر الجمع العظيم، فكان ما كان.
39 - {وَقِيلَ} من طرف فرعون {لِلنَّاسِ} ؛ أي: لأهل مصر وغيرهم ممن يمكن حضوره {هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ} لتنظروا ما يفعل الفريقان، ولمن تكون له الغلبة، وليس المراد بـ {هَلْ} حقيقة الاستفهام بقرينة عدم الجواب، بل المراد بالاستفهام الحث على المبادرة إلى الاجتماع والترجي للغلبة، لا لاتباع السحرة؛ لأنه مقطوع به. والمعنى؛ أي: احضروا لتشاهدوا ما يكون من الجانبين {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ} في دينهم {إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} لموسى، لا لموسى؛ أي: فإنا نرجو أن تكون الغلبة للسحرة، فنتبعهم في دينهم، لا نتبع موسى. قال ابن جرير: {لعل} هنا بمعنى كي. والمراد باتباع السحرة في دينهم: هو البقاء على ما كانوا عليه؛ لأن دين السحرة إذ ذاك هو دينهم، والمقصود المخالفة لما دعاهم إليه موسى. وقيل: أرادوا بالسحرة موسى وهارون، وقالوا ذلك على طريقة الاستهزاء.