30 -وحينئذ اضطر موسى أن يترك الأدلة العقلية وراءه ظهريًا، ويلجأ إلى المعجزات وخوارق العادات فـ {قَالَ} ؛ أي: موسى لفرعون حين توعده بالسجن {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} {الهمزة} : للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والواو للحال؛ أي: أتفعل بي ذلك السجن، ولو جئتك بشيء موضح لصدق دعواي، يعني: المعجزة، فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع، والدلالة على صدق مدعي نبوته؛ أي: أتفعل بي ذلك حالة كوني آتيًا بشيء مبين. وجعلها بعضهم للعطف على فعل محذوف؛ أي: أتفعل بي ذلك لو لم أجيء بشيء مبين، ولو جئتك به؛ أي: أتفعل به على كل حال من عدم المجيء والمجيء، وتقدم لنا الكلام على هذه {الواو} الداخلية على لو في مثل هذا السياق في قوله: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} فأغنى عن بسطه.
وقال الحوفي: واو العطف دخلت عليها همزة الاستفهام للتقرير، والمعنى: أتسجنني حتى في هذه الحالة التي لا تناسب أن أسجن وأنا ملتبس بها، اهـ والمعنى؛ أي: أتفعل هذا ولو جئتك بحجة بينة واضحة على صدق دعواي، وهي المعجزة الدالة على وجود الإله القادر وحكمته، وعلى صدق دعوى من ظهرت على يديه.
31 -ولما سمع فرعون هذا من موسى .. طمع أن يجد موضع معارضة من موسى فـ {قَالَ} ؛ أي: فرعون لموسى {فَأْتِ بِهِ} ؛ أي: بذلك الشيء {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} في دعوى الرسالة، وأن لك برهانًا عليها، وكان في يد موسى عصًا من شجر الآس من الجنة، وكان آدم جاء بها من الجنة، فلما مات قبضها جبريل، ودفعها إلى موسى وقت الرسالة،
32 -فقال موسى لفرعون: ما هذه التي بيدي؟ قال فرعون: هذه عصا {فَأَلْقَى} موسى من يده {عَصَاهُ} قال ابن عباس: عصا موسى اسمها ماشا. وقيل: نبعة؛ أي: طرح موسى عصاه من يده {فَإِذَا هِيَ} ؛ أي: تلك العصا {ثُعْبَانٌ} ؛ أي: حية عظيمة صفراء ذكر {مُبِينٌ} ؛ أي: ظاهر الثعبانية للناظرين بحركاته، وبسائر العلامات، وليس بتمويه كما يفعله السحرة.