26 -فاحتاج موسى إلى أن يستدل بما شاهدوا حدوثه وفناءه، فاستدل به فـ {قَالَ} موسى - زيادة في البيان، وحطًا له عن مرتبة الربوبية إلى مرتبة المربوبية؛ لأنه كان يدّعي الربوبية -: رب العالمين هو {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} ؛ أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين. قيل: إن فرعون كان يدّعي الربوبية على أهل عصره وزمانه، فلم يدع ذلك على من كان قبله، فبين بهذه الآية أن المستحق للربوبية هو رب كل عصر وزمان.
وقد انتقل بهم موسى من النظر في الآفاق وما فيها من باهر الأدلة إلى النظر في الأنفس وما فيها من عجيب الصنع، فإن التناسل المستمر في النبات والحيوان والإنسان وما فيها من العجائب لأوضح دلالة من النظر في الآفاق.
27 -ولما لم يستطع ردًا لما جاء به، وخاف من قومه تأثرًا بما يقول موسى أورد ما يشكك قومه في حسن تقديره للأمور، وفهمه لما يقول، فـ {قَالَ} ؛ أي: فرعون من سفاته، وصرفًا لقومه عن قبول الحق، مخاطبًا لخاصة قومه، وعليهم أقبية الديباج مخوصة بالذهب: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} ؛ أي: لا عقل له؛ إذ يقول قولًا لا نعرفه ولا نفهمه، فهو يدعي أن ثمة إلهًا غيري، وسماه رسولًا على السخرية، وأضافه إلى مخاطبيه ترفعًا من أن يكون مرسلًا إلى نفسه.
وقرأ مجاهد وحميد الأعرج: {أَرسل إليكم} بالبناء للفاعل؛ أي: أرسله ربه إليكم.